أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"ياسر الغربي".. فنان سوري أوصلته "النقطة" إلى مصاف العالمية

الفنان "ياسر الغربي"

ينحدر الفنان السوري الشاب "ياسر الغربي" من مدينة الفرات والقمح "مسكنة" بريف حلب ومن سنابلها الذهبية المتمايلة أتقن أبجديات الشغف والإبداع بأجمل تجلياتهما وحققت لوحاته في "الحروفية العربية" انتشاراً عالمياً حيث جالت على الكثير من المعارض التشكيلية في العالم منها معرض نيويورك الشتوي للفن والأنتيك في الولايات المتحدة ومينيستر ألمانيا وأمستردام هولندا. 

منذ سن مبكرة في حياته كان لدى "الغربي" المقيم في "السعودية" حالياً هوس بالخط العربي صوتاً وصورة، فكان يرسم منذ الصغر على الخزائن والجدران وقطع الكرتون أينما طالتها يداه رسوماً وخطوطاً عفوية، ولكنها كانت تشي بموهبة مستقبلية، وفي المرحلة الثانوية التي درسها في حلب بدأت موهبة الفنان الشاب بالتجلي، كاشفة عن جماليات خاصة، وحينما انتقل إلى الجامعة اتسع وقته وانداح أفق خياراته، وكان حينها يهتم بالرسم أكثر-كما يقول.

ويضيف "الغربي" لـ"زمان الوصل" أن غرفته الصغيرة آنذاك امتلأت بكم هائل من الاسكتشات الفنية، وذات يوم طلب منه زواره من الأصدقاء أن يقيم بها معرضاً فنياً، وبالفعل تشجّع على الفكرة، وتمكن من إقامة معرض هو الأول بالنسبة له في رحاب كلية الحقوق بجامعة حلب، وضم المعرض الكثير من اللوحات التي نفّذها بأقلام الرصاص والفحم والقصب وأقلام البيك المدرسية.


وكان الشاعر نزار قباني الذي صادفت ذكرى وفاته يوم إقامة المعرض في 30 نيسان أبريل/2004 حاضراً بقوة في المعرض خلال مقتطفات مخطوطة من أشعاره إضافة إلى محمود درويش ومظفر النواب ومحمد الماغوط، وأسهم هذا الرباعي–حسب قوله- في بنائه من الداخل ودفعه حبه لإبداعهم إلى كتابة أشعارهم ومقولاتهم ومحاولة الرسم بالكلمات-حسب تعبير "نزار قباني".

في العام ذاته التقى "الغربي" بصاحب دار "كلمات" في حلب "خلدون الأحمد" الذي أعطاه بطاقة دعوة لمعرض الفنان العالمي الكبير وشيخ الحروفيين العرب "سامي برهان"، الذي كان قد عاد لتوّه من إيطاليا، وكانت المرة الأولى التي يدخل فيها "ياسر" معرضاً فنياً، وهناك التقى بالفنان "برهان"، الذي طلب منه أن يرى لوحات من أعماله يقول "الغربي": "في اليوم التالي سارعت لإحضار لوحة أذكر أني خططتها بعبارة "قلبي حبة عنب"، لمحمود درويش".

ويضيف محدثنا: "حينها أمسك سامي برهان بأذني وفركها قائلاً لي: "يا ولد هل تعرف ما الذي تعمله، فلما قلت له لا، ابتسم وقال لي يجب أن تعرف"، وكان عمر "ياسر" آنذاك قد تجاوز العشرين بقليل -كما يقول- فيما كان "برهان" قد تجاوز السبعين من عمره.

ويروي "ياسر الغربي" أن الفنان "سامي برهان" نطق آنذاك بعبارة قلبت حياته الفنية رأساً على عقب إذ قال له "اشتغل على النقطة يا بني لأن أصل الكون والإنسان نقطة نبدأ منها ونعود إليها". 


بقي الفنان "الغربي" في جامعة حلب إلى العام 2006، وكان الرسم والخط بالنسبة له –كما يقول- طقساً يومياً، إذ كان يخط كل ما تصافحه عيناه من عبارات ومقولات مؤثرة، وآنذاك رسم نقطة غريبة كانت حجر الأساس في خروجه عن الموروث والمألوف والتقليدي والتفكير "خارج الصندوق"، حسب تعبيره. 

في نهاية العام 2010، وبسبب الظروف في سوريا سافر الفنان الشاب إلى المملكة العربية السعودية، وكان بحاجة لعمل كي يشتد عوده، فعمل في شركة خاصة لمدة سنة ونصف تمكن من خلالها من الوقوف على قدميه، ورغم أنه كان قد تخرج بمعدل جيد من كلية الحقوق بجامعة حلب، إلا أنه لم يعمل بشهادتها، ولم يحب المحاماة أساساً، بل دخل كلية الحقوق لأنها كانت رغبة والده، وترك الفنان الشاب بعد فترة وظيفته ليكرّس كل جهده للموهبة التي أحبها ليصبح فيما بعد فناناً محترفاً ُيُشار إليه بالبنان.

ورغم كل ما حققه الفنان "ياسر الغربي" من نجاح وانتشار إلا أنه لم ينس تأثير الفنان "سامي برهان" عليه وعلى تحول تجربته، وكان "برهان" شيخاً من شيوخ "الصوفية" ووالده كان خطاطاً أيضاً ونشأ وترعرع في حي "جلوم" وسط حلب، وكان الموروث الديني طاغياً لديه، وعندما ذهب إلى أوروبا وبالتحديد إيطاليا لدراسة الفن احتفظوا به، وبدا كمن "يبيع الماء في حارة السقائين"-كما يُقال- إذ أصبح يدرّس الفن الكلاسيكي في أكاديميات روما إضافة إلى "فتوحاته الفنية" في مجال الحروفية التي وضعته في مصاف الفنانين العالميين. 


وشكلت النقطة بالنسبة للفنان الحلبي الشاب خلال عامي 2004 إلى 2006 ما يشبه السؤال الوجودي، مما دفعه للقراءة في مختلف الاتجاهات لبلورة مفهوم هذا المبدأ الكوني يقول: "كان هناك في عقلي ما يشبه المغناطيس يُدعى النقطة يجتذب كل ما يخص هذا المبدأ الكوني" حتى أنه بدأ بإنجاز منمنمات بحجم النقطة، واتجه فيما بعد إلى مراحل أخرى، وصارت الهواجس بالنسبة له أكبر من النقطة، إذ بدأ باختبار اللون والحرف ليصل إلى تنوع أكثر ليعود تالياً إلى هاجس النقطة. 

ولفت "الغربي" إلى أنه ليس صوفياً ولكنه مولع بثقافة المتصوفة وأشعار الحلاج وابن الفارض ورابعة العدوية، فهو يعشق الفكرة بغض النظر عن المعتقد لأن المعتقد شيء ذاتي لا يحتاج أن يسكب أياً كان فيه، يقول: "عندما أسمع شيئاً للحلاج أو ابن الرومي وخاصة إذا رافقته موسيقا أجد نفسي مدفوعاً للعمل الفني بحماس لا يُوصف وأرسم حينها وكأنني أمارس حالة تشبه الرقص والطواف والسعي، وتصبح الموسيقى واللون والحرف ثلاثياً مقدساً بالنسبة لي، وكأني أتعبد أو أتطهر منسكباً في جوانيّة العمل الذي أقف في محرابه. 

وعاش الفنان "ياسر الغربي" تغريبتين في حياته الأولى من عام 1987 حتى 1996 في السعودية، والتغريبة الثانية من 2010 حتى الآن، أقام وشارك في العديد من المعارض المحلية والعالمية، ومنها معرض فردي في جامعة حلب 2004 -2005، ومعرض مشترك في اسطنبول /تركيا 2014، ومعرض فردي في الخُبر /السعودية 2016، ومعرض مشترك في جدة/ السعودية 2015، ومعرض مشترك في الرياض/السعودية 2016، إضافة إلى معرض الفن والأنتيك الشتوي في نيويورك 2016، ومعرض مشترك في امستردام /هولندا 2016 ومعرض مشترك في منستر/ألمانيا 2016.

فارس الرفاعي - زمان الوصل
(7)    هل أعجبتك المقالة (7)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي