أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"العتابا".. رأس مال عائلة سورية نصفها شهداء ونصفها أرامل

والد آمنة وأسماء - زمان الوصل

ربما أصبحت مصائب السوريين فوق كل الأبجديات توصيفا وشرحا، لكن مصاب "محمد عبد الحسيب بكار" اللاجئ السوري من ريف القصير إلى مخيمات لبنان، قد تم اختزاله بنصف موال من "العتابا"، موال يتدحرج من كواليس روحه تشيعه لغة قد دجنها الفراق والغربة، موال لم يكتمل مع زفير "أبو أشرف" إذ سرعان ما تحول لشهيق مضمخ باللوعة والأسى وهو يذرف دموع شيخوخته رثاء لأولاده وصحته ووطنه. 

*"العتابا" ملحمة الحزن 
في الريف السوري، فن العتابا هو مهنة المجروح والمكلوم، ولها من -"العتب" نصيب، فهي فن العتب على صروف الدهر ونوائبه وخباياه المحزنة، فكيف إذا ما حطت بويلاتها دفعة واحدة على كاهل عجوز مقعد كسيح، ورمت بثلاث "أرامل" أمامه كأنهن "حجر نرد" في بلاد لا مكان للحظوظ فيها وفي مخيمات قانون نهاياتها واحد الخسارة، والخسارة فحسب.

وكأنه كان يصغي لوصية والده الكسيح "يا سارية الجبل الجبل" مدركا أن جبله هو الالتحاق بطلائع من خرجوا في الثورة، ليعود إليه شهيدا لم يساعده كرسيه المتحرك أن يشيعه لخلوده الأخير.

*ثلاثة أرامل.. وموال على مقام "الصبا"
ابنتان وكنة ولفيف من الأيتام يقاربون الـ13 محروما هم تركة "أبو شرف" التي ورثها عن الثورة، ميراث هو المفردات ذلك الموال الذي ينوح به أبو شرف مع كل إشراقة غربة هنا في لبنان ويزين به سكنات موسيقاه ونحيبه.

ربما يبدأه بكلمة "حسافة" وربما يتبعه بكلمة "دخيلك يالله"، لكنه ما خرج به يوما عن مقام "الصبا" الحزين المقعد كرجليه، المكسور الخاطر كروحه التي ما برحت تعلن حدادها عند رؤية أي يتيم من أولاد ابنه أو ابنتيه.


أيتام لا كفيل لهم على وجه هذه البسيطة الممتدة بين الحرب والحرب إلا نبرات صوته العاجز عن تأمين أتفه مقومات الحياة لهم، إلا من موال عتابا مكسور الوزن والخاطر، لطالما عرف كيف يبدأه، وما استطاع يوما أن ينهيه "حسافة هالعمر.. راح ضياعين واتشتت بالبراري وراح (ضيا) عين.....

*60 عاماً ينقشها بالحزن على موال عتابا ويبكي
"آمنة وأسماء" أرملتان لشهيدين، يلتفان حول موال والديهما الكسيح، الذي بات لا يعرف ما هو دوره في هذه الحياة، هل هو المعيل لهن؟ أم أن الظروف فرضت عليه أن يأخذ دور المعيل والمربي والساعي لنزع لقمتهن ولقمة أولادهن من فم الحياة بموال عتابا ينوح به كلما حاصره الضعف والحاجة هما، لا تعرفان كيف تحضران لوالديها المقعد ما يغنيه شر الإحراج بأن يقضي حاجته، كما تقول "آمنة"، (الحفوضة) وحبوبه المسكنة للألم، وهو لا يعرف كيف يؤمّن لبنتيه وكنته وأولادهن ما يستر به وجه عائلة نصفها شهداء، ونصفها أرامل وأيتام، كتب عليها أن يقودها "مايسترو" مقعد مريض لازال مؤمنا بأنه سينتصر على الحياة، بموال عتابا لازمته ومقدمته واحدة، "حسافة هالعمر.. راح ضياعين.........."

عبدالحفيظ الحولاني- زمان الوصل
(36)    هل أعجبتك المقالة (37)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي