أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

بذر الكتان والسمسم.. ميخائيل سعد

ميخائيل سعد | 2015-07-21 02:12:16
بذر الكتان والسمسم.. ميخائيل سعد
   حي القابون الدمشقي - عدسة شاب دمشقي
ميخائيل سعد
  "خيمة الفضائح"
رغم اعترافاتي المتتالية بأصولي الفلاحية، والتي كنت أرفع رايتها أو أنكسها حسب الحاجة، وحسب تقدم وتراجع الثورات "الفلاحية" في سوريا من مراكز السلطة الحاكمة أو التي ستحكم، إلا أن أهل قريتي، وأنا ضمنا منهم، لم يعرفوا السمسم إلا في عام 64، عندما "ضمن" فلاح من ريف الرستن أرضنا، بعد أن هجرها والدي للانضمام إلى سلك الشرطة لممارسة متعة إلقاء الأوامر على الناس البسطاء، فجاء هذا الفلاح وزرع قطعة صغيرة اسمها "دالي حسن" سمسما، وزرع في قسم آخر من الأرض "بامية"، فكانت الأرض بقطعتيها أعجوبة المارين على الطريق الملاصق للأرض.

قبل الاسترسال في الكلام عن السمسم وبزر الكتان، أريد أن أفشي سرا، رغم خطورته، لأن إفشاءه قد يعتبر شهادة مكتوبة واعترافا علنيا، لم ينتزعا مني تحت التهديد، كما يحدث دائما في سجون السلطة ومخابراتها، أو في سجون دولة الخلافة، أو سجون الحركات الثورية السورية المسلحة. 

المهم أن هذا السر يتعلق بملكية قريتنا قديما، والتي كانت لمسلمين، ودليل ذلك الأسماء الإسلامية لبعض المناطق في قريتنا المسيحية مثل: نبع الجامع، ودالي حسن، ونبع حاج ادريس وعلي أيوب (عاليوب)، وغير ذلك من أسماء المناطق التي ورثها سكان القرية دون التوقف عند مدلولاتها الإسلامية ومحاولة تغييرها، وهو حقهم، كما يحدث الآن في بعض المناطق السورية، عن حق أو دون حق كما في عين العرب -كوباني وغيرها من المناطق. 

أذكر أنني سمعت قبل أكثر من خمسين عاما رجلا مسنا يقول: لقد اشترى أجدادنا هذه القرية بخمس ليرات عصملية من الإقطاعي الحموي، بعد أن فرغت من فلاحيها المسلمين نتيجة الاقتتال فيما بينهم، ومن بقي منهم حيا ترك المنطقة. 

لم أتوقف كثيرا عند هذه الرواية عن القرية وأصلها، لأن هناك روايات أخرى كثيرة تتشابه مع كل القصص التي تحكي عن انتقال الناس وتأسيس قرى جديدة، إما بسبب الجوع أو الحب، أو تغيير الطائفة أو القتل، مما دفع بالجد الأول لترك مكان سكنه الأصلي والانتقال لمكان جديد يبدأ فيه حياته دون خوف من ماضيه الأسود أو الأبيض. 

وحدث أن تقاطعت معلومة الرجل المسن مع معلومة أخري رواها لي أحد الأصدقاء الحماصنة. 

ففي أحد أيام 1974 كنا مجموعة من الشباب في مقهى "التوليدو" الحمصي، وكنت أنصحهم بزيارة قرية حزور القريبة من مصياف واكتشاف جمال الطبيعة هناك، عندما قال الصديق أسامة سراس إنه سمع من أبيه عن جده أن أصلهم من قرية حزور، وقد كانت المنطقة كلها مسكونة بقبائل تركمانية، قُتل من قتل منهم في مواجهات محلية، وهاجر من بقي حيا الى مناطق جديدة، وقد اخترنا نحن حمص مكانا للسكن. 

إلا أنني لم أترك بعدها أسامة إلى أن تأكد لي من والده أنه لا يملك وثيقة تثبت ملكيتهم لحزور، فاطمأن قلبي، وكررت دعوتي لهم لزيارة قريتنا دون خوف من إمكانية احتلالها من جديد من قبل "السنة" التركمان أو العرب!

عودة إلى قصة السمسم، فقد عرفته كما شاهدته في أرضنا عام 64، بحباته الصغيرة ولونها الأبيض، وبقيت صورته تلك في ذاكرتي أينما رأيته، مدعيا معرفتي العميقة بخصائصه وأنواعه وأنني "خبير استراتيجي" في هذا الباب. 

وتشاء المصادفة أن أستقر في مونتريال قبل أن يشن الأسد ومؤيدوه حربهم على السوريين، ورغم أنني لست "تركمانيا" كجد صديقي أسامة، إلا أن الهرب من سوريا، عام 89، كان خياري الوحيد إذا اردت أن لا أكون مخبرا عند مخابرات الأسد ضد أصدقائي. 

في مونتريال وبعد مرور ستين عاما على معرفتي بالسمسم تعرفت على بذر الكتان، الذي كنت أظن أنه نوع من السمسم البني عندما كنت أراه في الأكياس الشفافة، ملقيا على رفوف المحلات التجارية، بجانب السمسم والعدس والحمص وغيرهم، فقد اعتدنا أن نرى الكثير من المواد الغذائية التي لعبت التكنولوجيا بجيناتها لتلبي أحلام الإنسان، ومنها السمسم البني كما اعتقدت.

قبل اسبوعين، اكتشفت أن فخري بأصولي الفلاحية، هو ادعاء "تجاري" محض وفارغ من أي معنى، ولا علاقة له بالفلاحة لا من قريب ولا من بعيد، فقد تكشف جهلي في هذا الباب، ليضاف إلى أبواب أخرى كثيرة، عندما أحضر معه أحد عجائز شلة مونتريال كيسا من بذر الكتان ليقدمه لي كي أستخدمه كعلاج طبيعي لتضخم البروستات، قائلا إن نتائجه مضمونة بالتجربة. 

قهقهت بصوت عال لفت انتباه الجالسين على الطاولات المجارة في المقهى، واستجابة للسؤال الذي طرحته عيون الآخرين عن سبب ضحكي، قلت لهم: لسنوات طويلة، كنت كلما رأيت هذا أظنه سمسما أسمر، وفي النهاية طلع بذر كتان يفيد في علاج البروستات! 

ثم سألت الطبيب الصديق الذي حمل لي الهدية: ألا تعتقد أن هذه البذور يمكنها أن تفيد بروستات العقول عند رجال المعارضة السورية فتتقلص أحلامهم الذاتية، ويتوقفون عن الخلط ما بين حاجاتهم الشخصية وأمانيهم في الزعامة، وحاجات المجتمع السوري الذي يتعرض للقتل والتهجير كل يوم؟
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
أول جلسة علنية في الكونغرس الأمريكي في إطار عزل ترامب      مقتل 22 فلسطينيا خلال 48 ساعة      رتل أمريكي ينسحب من قاعدة "صرين" بريف حلب      أثيوبيا تعلن انتهاء بناء سد "السرج" التابع لـ"سد النهضة"      "آبل" تستعد لإطلاق "آيباد برو".. جديد مع مجموعة من أجهزة الواقع المعزز      محاولة جديدة لاقتحام "الكبانة" تكلف الأسد 14 قتيلا نصفهم من حزب الله      مقتل مجموعة كاملة من "تسويات الغوطة" في "الكبانة"      دراسة: "الأغذية فائقة المعالجة" خطر على صحة القلب