أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"مالنا غيرك يا الله".. ميخائيل سعد

في مهرجان مونتريال السينمائي عام 1993 التقيت بالفنان والكاتب من أصول مغربية محمد لطفي العراقي، وكان يغطي المهرجان لصالح جريدة "المرآة" العربية التي كانت تصدر في المدينة، وكنت حينها سكرتير تحرير لنفس الجريدة. 

كنا نكمل بعضنا فهو يجد صعوبة في كتابة العربية وأنا أجد صعوبة في فهم الفرنسية، لذلك قررنا، كي ننجح، لا بد من مزج "صعوباتنا"، وخرجنا بالنتيجة بعمل صحافي يرضينا معا وكنا نوقّعه معا. 

أثناء الاستراحة بين الأفلام كنا نتعارف أكثر، ومنه علمت أنه يعمل أحيانا كمستشار للشؤون العربية عند رئيس البلدية "جان دوريه"، وكنت وقتها مهموما، بالإضافة إلى عملي الصحفي، في حلم توحيد "الأمم الناطقة بالعربية" على حد تعبير من كان لا يؤمن بأمة عربية واحدة، وهم كثر في مونتريال وفي البلاد العربية. 

في أحد الأيام، وقد أكثرت فيه الكلام عن ضرورة توحيد الجالية العربية، قال محمد سأروي لك ما حدث مع نخبة هذه الجالية التي تحلم بتوحيدها: قال لي رئيس البلدية، على إثر أحد الاجتماعات، إنه ينوي أن يبني مركزا ثقافيا عربيا يليق بحجم "الجالية" العربية في مونتريال، الذي بدأ يشغل حيزا مهما في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة، ولا بد لهذا الحضور أن يعبر عن نفسه ثقافيا، وطلب مني الاتصال "بالنخب العربية" والتحضير لعقد اجتماع معهم، يطلعهم فيه على فكرة بناء المركز الثقافي العربي المنشود، ويستمع في الوقت نفسه إلى ملاحظاتهم وطلباتهم.

قال محمد العراقي: طبعا لم يكن غائبا عن فكري البعد السياسي والانتخابي لرئيس البلدية، فهو في النهاية يفكر في العرب المونترياليين كأصوات انتخابية وليس كمؤمنين أو كفرة، وغير مهتم بانتماءاتهم القطرية أو أديانهم وطوائفهم، ومن من النساء بينهم تضع حجابا أو سافرة، فهذه أمور شخصية لا تعنيه، رغم اهتمامه بالتبولة والحمص والكسكس. وبالمناسبة فإن الكنديين يرون كل الشرق أوسطيين، بما فيهم إيران وتركيا، عربا، وكل مسلم هو عربي والعكس أيضا صحيح، وربما إلى هؤلاء الغربيين يعود فضل "بعث" الأمة العربية والأمة الإسلامية، قبل غيرهم من القوميين العرب والمسلمين الحالمين بالخلافة الإسلامية.

تابع محمد لطفي العراقي قائلا: حملت مقترحات رئيس البلدية إلى الذين يدّعون تمثيل الجاليات العربية سياسيا ودينيا واقتصاديا وإقليميا، وكانت نتيجة اتصالاتي، وبعد الغربلة عدة مرات، التوافق على نحو ٢٥ شخصا، تم إبلاغهم بمكان وزمان الاجتماع والهدف منهظ.. 

ولم أتردد بالقول إن مشروع رئيس البلدية ممول بالكامل من قبل البلدية، المطلوب فقط من "الوجهاء" العرب التوافق والاتفاق على الخطوط العريضة وانتخاب لجنة منهم تكون مهمتها متابعة تنفيذ المشروع وإدارته بعد اكتماله.

في الوقت المحدد اجتمع "الوجهاء" في القاعة التي خصصتها البلدية، ورحب رئيس البلدية بممثلي الجالية العربية في مونتريال، وشرح فكرته بضرورة تكريم العرب هنا بإنشاء مركز ثقافي يليق بهم وبالتاريخ العلمي والثقافي للعرب، متمنيا عليهم العمل على وضع تصور كامل للمشروع واتخاذ القرارات اللازمة لذلك بمعاونة مساعديه من الفنيين المتواجدين في القاعة، ثم اعتذر على أن يعود قبل الانتهاء من اجتماعهم.

أمضى المجتمعون يوما كاملا وهم يتآمرون على بعضهم البعض، ومن منهم الأجدر في استلام المهمة وكيفية إبعاد الآخرين، ولعبت التكتلات الدينية والجهوية والمالية دورها في ذلك، وكلما تعمق النقاش كانت تتكشف ضحالة "الوجهاء"، وسخافة حججهم التي كانت تغطيها الثياب الفاخرة، وذاتياتهم المريضة بتضخمها، حتى أن الجميع نسي سبب الدعوة للاجتماع، وساد بينهم مناخ الحرب التي اشتعلت بين القبائل العربية والمعروفة بحرب "داحس والغرباء"، وانتهى الاجتماع دون الوصول إلى أي نتيجة أو الاتفاق على أي بند. عندما عاد رئيس البلدية وعرف أن نتائج الاجتماع كانت "فافوش"، تصرف بشكل ديبلوماسي، وشكر الناس على جهودها، على أن تقوم البلدية بإبلاغهم بموعد الاجتماع القادم.

سأل رئيس البلدية صديقنا محمد: ماذا نفعل كي نجمع كلمة "العرب" كي يتوافقوا على هذا المشروع؟
قال محمد: دعهم يا أستاذ، عندما يشعرون بالحاجة إلى هذا المشروع سيعودون لوحدهم ويطلبون لقاءك.

ومضى منذ ذلك الوقت أكثر من 20 عاما دون أن يشعر "الوجهاء" العرب بالحاجة للتفاهم، ولا يبدو أن الزمن يعلب لصالح وحدتهم، بل على العكس، إنهم يزدادون تمزقا وكرها لبعضهم، وقد اكتفي كل منهم بالموت ديكا دون صوت على مزبلته.

في الختام أريد التنويه عبر هذا النص إلى أن الآفة هي منّا وفينا، أكان ذلك في الوطن الأم أم في المنافي، صحيح أن الغرب لعب دائما ويلعب بنا لتحقيق مصالحه، ولكن أدواته الفعّالة، لذلك كانت "نحن" المريضة، الجاهلة، الأنانية، الجشعة، المتعصبة، القاتلة التي تخاف من الآخر، المتعالية بتعجرف عن عامة الناس.

إن نظرة سريعة إلى ما يجري في سوريا، من جهة نظام الأسد ومؤيديه، ومن جهة الثائرين، وخاصة القادة منهم، تؤكد أن الغالبية الكبرى من "الوجهاء" الجدد والقدماء لا يعنيهم الوطن إلا بقدر ما يحقق لهم من إمكانيات لملء جيوبهم بالمال أو الشعير، أو حب الظهور لتغطية أحاسيسهم بالدونية.

في النهاية أختم بنقل نص قصير كتبه الصديق الحمصي مالك داغستاني يلخص وضعنا المأساوي الذي وصلنا إليه، كتب: "على الأرجح كان هناك هندياً أحمر قد وقف وهو يقاوم الغزو الأوربي (لأمريكا)، وصاحَ بثقةِ صاحبِ الحق: هذه أرضنا، وستبقى كذلك. ثم أردف: مالنا غيرك يا الله.

ولكن نتيجة الاعتماد على الله دون أن"يعقل" البدوي ناقته، كانت ضياع الناقة والإبادة للهنود الحمر، فهل ينتظرنا مصير مشابه!؟

(4)    هل أعجبتك المقالة (5)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي