أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

السوري المريض.. علي عيد

دوما - ناشطون

فهمت من الفيلسوف الفلسطيني السوري أحمد برقاوي أن "الثورة فعل هدم"، وأن بروز الأنا المقموعة لعقود هي حالة طبيعية وصحية، لكن يدور في ذهني سؤال كبير حول فوضى المفاهيم والمشاعر التي يعيشها السوريون اليوم بمختلف طيفهم السياسي والإثني، وكذلك حول المدة الزمنية التي ستعانيها البلاد جراء هذه الفوضى.

عندما انتزع السوريون المبادرة نحو حريتهم لم يكن بالإمكان طرح حدود ما يسعى إليه السوري، لأن الثورة بطبيعتها هي انقلاب على المفاهيم السائدة لمصلحة مفاهيم وقيم أخرى تتكون مع بروز نخبة تمثل القوى الثورية، وفي الحالة السورية برز تباين كبير بين النخب الحقيقية والقوى السياسية التي تصدرت الواجهة كأمر واقع، وليس عيباً أن تتصدر تلك القوى، إلا أنها لم تستطع ولأسباب موضوعية أن تخرج بملامح لشكل العقد الاجتماعي المطلوب، والسبب أنها خضعت لعدة عوامل منها ما هو خارجي (الصراع الدولي الإقليمي)، ومنها ما هو داخلي متمثلاً بارتفاع مستوى الخطاب الانفعالي المدفوع تحت تأثير منسوب القتل والاعتقال والتهجير غير المسبوق، أضف إلى أن الحراك الثوري عانى ضعف مشاركة الأقليات بفعل التخويف والاشتغال على ترميز الثورة ووصفها بالسنية، وفي مثل حالة العسف التي مارسها النظام بحق المناطق الخارجة عن طاعته، وتعمد نشر صور الذبح والمجازر والتجديف كان طبيعياً أن يحظى خطاب الشيخ "السني" عدنان العرعور بملايين المشاهدين، فيما يصارع المفكر "السني" برهان غليون برمزيته المدنية للدفاع عن فكرة الثورة وأحقيتها وفلسفتها دون أن يجد سنداً موضوعياً، وتكفي هذه المقارنة لإثبات أن الثورة ليست سنية بمعناها السياسي، لكنها أخذت من عنقها إلى عباءة الدين تحت وطأة القتل العاري، وهذا كان منتهى أمنيات النظام الذي يجيد العمل على حافة الهاوية، ويمتلك مقومات تمكنه من قلب طاولة المقامرة إذا لم يربح غلتها في النهاية.

تاريخيا ليست هناك ثورات مفصّلة يمكن أن ترضي الجميع، إلا أنها لا بد أن تصل في نهاية الأمر إلى فرض إرادتها بالحد الأدنى، كما حصل مع الثورة الفرنسية عام 1789 حيث تصارع العهد الجديد مع الملكية وسلطة الكنسية الكاثوليكية، ومارست الثورة نوعاً من الديكتاتورية التي قتل على إثرها عشرات الآلاف، وحصلت الثورة المضادة وصولاً إلى إرساء مصالحة بعد وصول نابليون الأول إلى الحكم، ولم تتوقف الثورة في فرنسا عند حدود سقوط الباستيل، لأن السلطة المترسخة بتحالف الملكية والكنيسة كانت تحتاج لزمن طويل، بعدها جرت اندفاعات كثيرة ربما كان آخرها ما حصل في عهد ديغول، إذ خضع الأخير لمطالب المجتمع في تطبيق اللامركزية رغم أنه يعتبر من أهم الشخصيات المعاصرة في تاريخ البلاد، لدرجة أنه حمل لقب الأب الروحي للفرنسيين.

بالعودة إلى الثورة السورية نجد أن حالة الفوضى تم فرضها بضرب البنية الاجتماعية لبيئة الثورة، لدرجة أن مدناً بكاملها خرجت من الحسابات كما هو حال حمص بفعل الدمار، والرقة بفعل السيطرة عليها من قبل تنظيم الدولة "داعش" بعد أن استقال النظام من مهامه وترك المدن "غير المفيدة"، وينسحب الأمر على قطاعات واسعة في أطراف المدن الكبرى كحلب وريف دمشق.

استطاع النظام قتل بيئة عمل الثورة، وإن فشل في قتل الثورة، لكن الأخطر هو أن خطة منع ظهور شخصيات رمزية تمتلك الأرض، وترك القوى السياسية العاملة في الخارج بلا غطاء داخلي ضعضع ثقة جماهير الثورة بنخبها السياسية، أضف إلى ذلك ما سببته حالة الاستعصاء والرغبة بتصدر المشهد التي مارسها الكثير ممن خرجوا على النظام.

الثورة السورية لم تفشل بالمطلق، رغم كل محاولات إفشالها، ودورة إنتاج النخبة الثورية وطليعة الكوادر لم تنقطع، إلا أنها تأخذ أشكالاً وآليات مختلفة عن المعهود في التجارب الزمنية الموازية.

في سوريا لعب النظام بالورقة الدينية والمذهبية والقومية مستفيداً من التداخلات الجغرافية والديموغرافية في المنطقة (العراق ـ لبنان ـ سوريا)، لكن هذه الورقة التي عادة ما يتم استخدامها في أقصى حالات الرغبة بالتدمير كما جرى في لبنان وسوريا في القرن الثامن عشر، ليتكرر الأمر في العراق منذ نحو عشر سنوات، وغالبا ما يترافق استخدمها بتغيير في البنى المجتمعية مع موجات هجرة، وهي تحتاج فترات طويلة لمعالجة توابعها.

ليست مشكلة السوريين اليوم في كمّ الشتائم، والانفعال، والتخوين الذي يمارسه ناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي، وإنما في حدود يجري رسمها بصراع دموي، وكل ما نراه من تبادل للاتهامات وقلق من ارتفاع مستوى الخطاب الشوفيني والقومي (chauvinism – nationalism) هو اختبار إرادات في القاع سينتهي مع وعي الناشطين السياسيين عبر التجربة والاختبار، كما أن صراع المجموعات المسلحة سينتهي إلى ضعف أطراف وسيطرة أخرى، ومن ثم حالات اندماج وصولاً إلى معركة أخيرة لإلقاء السلاح من قبل أطراف لمصلحة طرف واحد هو الدولة، ولا يمكن تجاهل تأثير صراعات السيطرة بين القوى الإقليمية على الشأن الداخلي، والمدى الزمني الذي ستنتهي فيه ظاهرة السلاح طالما أن النظام الموجود يمثل إرادة طرف خارجي بالدرجة الأولى، الأمر الذي يعطي مبررا لاستمرار دعم الطرف المقابل دون حساب الخسارة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي ونزيف السوريين.

أعود إلى تفسير "الأنا" كحالة طبيعية، إذ يمكن فهم رغبة السوري في رسم ملامح خاصة بعد خمسة عقود من الإلغاء واللاانتماء، وهذه الرغبة ستظهر بطرق عشوائية طالما أنها تعمل بشكل فردي، وخارج إطار المؤسسات، إذ من الطبيعي أن تظهر "الأنا" المريضة، وأن يتصارع الناس كأفراد طالما أن القانون غائب، والعدالة الاجتماعية لا يمكن تطبيقها بغياب المؤسسة والقانون، والقيم الأخلاقية مجروحة بفعل التشويش الحاصل على عقائد الناس مع ظهور قوى متطرفة تمارس القتل وتدفع بالمؤمنين إلى طرح أسئلة كبيرة حول المفاهيم والمقاصد.

إنها الثورة حين تتصارع الإرادات، وحين يحاول الفرد إعادة بناء كيانٍ مدمّر، ليس العيب في السوري كإنسان، فالعيب سببه تعرضه لأقسى حالات انعدام الأخلاق في السياسة، وأبشع أشكال الصراع، وأشد الأنظمة تجهيلاً وقدرة على إلغاء الجانب الواعي في الفرد كإنسان وكمواطن.

(9)    هل أعجبتك المقالة (8)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي