أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

بين (أسلمة سوريا) و (الثورة في إسلامها).. ملاحظاتٌ منهجية (4).. د.وائل مرزا

مقالات وآراء | 2014-12-09 10:51:51
د.وائل مرزا
  سوريات
لاتقتصر الأسباب الدافعة لتبلور ثورةٍ في فهم الإسلام وتنزيله على الواقع، في سوريا وانطلاقاً منها، على المشكلات التي أظهرت (داعش) وجودَها في التراث الإسلامي كما شرحنا في أكثر من مقال.

فقد أظهرت الثورةُ السورية، قبلَ ذلك، فشلَ ثلاثة أطراف إسلامية، مختلفة في وظائفها وأدوارها، في استيعاب معاني الثورة من خلال قيم الإسلام الأصيلة.

حدثَ هذا مع بداية الثورة التي لم تكن (إسلاميةً) بالمعنى السائد للكلمة. إذ لم يتمكن ممثلو الإسلام الشرعي والسياسي أولاً، ثم العسكري / الجهادي بعد ذلك، من تركيب معادلةٍ يُمكنُها الجمعُ بين مطالب الثورة الأساسية (الحرية والكرامة والمساواة والتعددية والديمقراطية وسيادة القانون ومحورية مفهوم المواطَنة..)، وبين القيم والأصول، التي لاتُعطي فقط مشروعيةً لتلك المطالب، في جوهر الفهم الإسلامي، بل تمنحُها أولويةً قُصوى في عملية تنزيل الإسلام على الواقع الاجتماعي الإنساني.

ولم يكن في رصيدهم الثقافي مايُسعفُ حين يتعلق الأمر بملابسات صناعة السياسات الدولية والإقليمية، والتعقيد البالغ الذي يميزها، اللهم فيما عدا اختزال الأمر في أن (الجميع ضد الثورة، والجميع ضد سوريا، والجميع ضد الإسلام).

هذا فضلاً عن الفقر المدقع فيما يتعلق بمفاهيم بناء الدولة، أو استمرارها، في هذا العصر. سواء تعلق الأمر بمقتضياتها أو هياكلها أو ثقافتها أو آليات عملها، ومايتطلبه هذا من خبرات وتخصصات وكوادر.
لهذا، كان طبيعياً في الفترة اللاحقة، حين اشتعل حديثُ البعض، وأحلامُ الآخرين، عن (أسلمة) الثورة، ألا تتمكن الأطراف الثلاثة من تقديم نموذجٍ قيادي ناجحٍ للثورة، ينبثق من الإسلام، لا على مستوى الرؤية، ولا على مستوى الأفراد، ولا على مستوى الهياكل والتنظيمات.

من الضرورة بمكان التأكيدُ هنا على أن هذا الكلام ليس هجاءً، وإنما هو محاولةٌ لتحليل واقع الحال. والحقيقةُ أنه، بالنظر لمرحلة ماقبل الثورة، لم يكن بالإمكان أحسنُ مما كان.

فقد كنا نعيش في سوريا أزمةً كبرى في فهم الدين وفي طريقة تنزيله على الواقع، كما هو الحال مع بقية الشعوب العربية، لكن ظروف ماقبل الثورة و(القوانين) الفكرية والاجتماعية السائدة في تلك الفترة لم تكن تسمح بتداول هذه الأزمة بكل درجات الوضوح والصراحة والشمول المطلوبة لمناقشتها، فضلاً عن تقديم حلول حقيقية لها.

كانت الإشكاليات كبيرةً في فهم الدين، وجاءت، بالتالي، عملية تنزيل الدين وتطبيقه على الواقع مشوهةً إلى حدٍ كبير. فقد كان نادراً جداً أن يكون الدينُ عِلماً وتخطيطاً وتنميةً وإدارةً وتنظيماً وفهماً للعالم واهتماماً بالشأن العام وتركيزاً على قراءة سنن إعمار الأرض، بينما كان شائعاً جداً أن يكون الدينُ كماً هائلاً من فتاوى ودروس ومواعظ تُركز على كل ماهو شخصي ورمزي وشعائري. بمعنى أن الجهد كان قليلاً لربط الشخصي بالعام ولربط الرمزي والشعائري بالمقصد والمناط على مستوى وجود جماعة بشرية في إطار (دولة).

بل إن تلك الفتاوى والدروس والمواعظ رسَّخت في المجتمع السوري، على درجات متفاوتة، قيماً لاتمت بصلة إلى أصالة الإسلام وتعاليم القرآن. حصل هذا في مواضيع أساسية كثيرة، منها على سبيل المثال فقط: قضايا المرأة، العلاقة مع الآخر، الموقف من العقل، الموقف من العلم، حرية المعتقد، الآبائية والتقليد، تحويل الإسلام إلى شريعة إصر وأغلال، تفسيرات الولاء والبراء، تقديس اجتهادات البشر، الإيحاء بأن تعظيم الخالق يزداد بتحقير الإنسان.. وجرى أثناء ذلك الخلطُ بين الكُليات والجزئيات، والأصول والفروع، والثوابت والمتغيرات.

هذا فضلاً عن توظيف الدين لتبرير الواقع القائم في كثير من الأحيان بقصدٍ أو دون قصد.. إذ لم يمتدﱠ النظر والتحليل إلى واقع الظلم والفساد والتخريب الممنهج في كل مجالات الحياة، والذي كان يُمارس على البلاد بأسرها وعلى المجتمع بإجمال. لم تُربى الأجيال في معظمها على أن هذا الواقع والممارسات التي تقف وراءه هي في حقيقتها أكبرُ انتهاكٍ لتعاليم الدين، وأعظمُ في تأثيرها السلبي من انتهاك بعض أوامره ونواهيه على المستوى الفردي.

وإنما انحصر الاهتمام في الحفاظ على تركيبات اجتماعية واقتصادية محدودة، هي أشبه بمجتمعات منعزلة ومُكتفية ذاتياً داخل سوريا الوطن، تُحيط ببعض الدعاة والعلماء، وتُوفرُ الشعور بالرضى لمن فيها على اختلاف أدوارهم، وقد تُوفر في طريقها بعضاً من لقمة عيشٍ يُقدِّمها (المُحسنون)، من خلال جمعيات خيرية، لفقراء يعيشون بالصدفة على هوامش تلك المجتمعات.

لاينفعنا في شيء تلك (الهمسات) التي كانت تتم هنا وهناك، والتي تُعبر عن (استنكارٍ) تقليدي للواقع، يجري التعبير عنه في دوائر مُغلقة وضيقة للغاية. إذ لم يجرِ الربط الواعي، في أذهان الجماهير الواسعة، بين الدين ودوره الحقيقي كأداةٍ كبرى للتحرير والإعمار. 

من هنا، اقتصر مايُسمى بـ (العودة) الجماعية للدين بين السوريين، مع تطور أحداث الثورة وكثرة تحدياتها، على المعاني المتعلقة بالإيمان والتوكل والتسليم والتضحية، وغابت تجليات دينٍ يتمثل جوهرهُ في امتلاك أدواتٍ تعين أصحابها على التعامل الفعال مع العالم ومع الفضاء العام، ومن مدخل عالم الأسباب والسنن.

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
صور... الضرائب والحرائق تشعل لبنان بالمظاهرات      واشنطن تعلن وقف العملية العسكرية التركية في سوريا      ترامب "يغرد" شاكرا أردوغان: الأخبار عظيمة قادمة من تركيا      أبناء الاغتصاب في البوسنة يستخدمون الفن لرفع صوتهم      عشرات الآلاف يشاركون في ماراثون بنيودلهي إحدى أكثر مدن العالم تلوثا      سامسونج تعد بحل مشكلة التعرف على البصمة في Galaxy S 10      "الوطني" يتقدم في "رأس العين" ووضع "قسد" هو الأسوأ      مقتل 6 عناصر من "الجيش الوطني" وجرح آخرين في هجوم لـ"قسد" شمالي حلب