أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

ثلاثة نماذج من مراهقي الحرب السورية

ميخائيل سعد | 2014-10-21 19:08:08
ثلاثة نماذج من مراهقي الحرب السورية
ميخائيل سعد
  "خيمة الفضائح"

لن أدخل نفسي ولن أدخلكم في التفاسير المتعددة الوجوه للأسباب التي أدت إلى ظهور الكثير من الحالات الناتجة عن حرب الأسد على السوريين، ولن أجتهد وأتفصحن في طرق العلاج، سأكتفي في وضعكم بصورة ما رأيت من خلال الوصف، صحيح أن الوصف أيضا لا يمكن أن يكون بعيدا عن الهوى، ولكن للأسف لا أملك القدرة على نقل جميع الناس الذين يقرؤون ما أكتبه إلى حيث كنت وشاهدت، كما لا يمكنني حمل الشهود إلى كل بقاع العالم لعرضهم على المتابعين للشأن السوري، لذلك لم يبقَ أمامي إلا وصف المشهد أو المشاهد التي تقدم الضحية كشاهد ضد نفسه.


 الشحاذ
 أينما سرت في ساحة تقسيم التركية تسمع أصواتا عربية أغلبها سوري اللهجة، نسائي النغم، لامرأة بالغة تحمل بين ذراعيها طفلا أو طفلة، أو تضعها أمامها على الأرض وتكشفها بصورة تلفت الانتباه وتستدر العطف. وقد يكون الصوت أحيانا لطفلة لم تتجاوز السنوات الخمس تطلب فيه من المارة الشفقة عليها ودفع بعض النقود لها لأنها جائعة. ويتكرر المشهد والأصوات والأشخاص حتى ينسى السوري العادي مثلي أن يسمع نداء الاستغاثة أو نداء الشحاذة، إلا إذا كان جديدا في نغمته ومضمونه، وهذا ما حدث معي قبل أكثر من أسبوعين، فقد كنت مع مجموعة من الأصدقاء نجتاز ساحة تقسيم باتجاه شارع الاستقلال وإذا بصوت من خلفنا يقول: أبوس رجلك ساعدني، من شان الله ساعدوني، أبوس كندرتك (باللهجة الحلبية) اعطيني ليرة. كان الاستجداء مقبضا للروح فالتفت لأرى صاحبه واذ بي أمام شاب لم يبلغ 18 من العمر، وقفت فاقترب مبتسما، رأيت أسنانه الصفراء القذرة من فعل الدخان وقلت له: اذهب واشتغل بدل أن تهين نفسك بهذه الطريقة، فقال لا أحد يشغلني. قلت له أنا أعرف شبابا أصغر منك يعملون، قال: أبوس رجلك اعطني ليرة لأروح. عندها ارتفع صوتي طالبا منه أن يبحث عن عمل، فغادرنا وهو يقول: لا تصيّح خيو، ولا زلت أراه كل يوم تقريبا.


 المهرّب
 حضرت في مخيم كلس رقم واحد للاجئين السوريين تدريبا أو بعض تدريب لمجموعة من النشطاء في الدعم النفسي، وكان أحد الأطباء النفسيين يلقي عليهم درسا في تحديد من يحتاح من السوريين إلى الدعم النفسي. استغليت فرصة الغداء كي أهرب من التدريب قبل أن يصل "البل إلى ذقني" واكتشف أنني قد أكون مريضا نفسيا أو معاقا عقليا، والأسباب التي توصل السوري إلى هذه الحالة كثيرة، تغامزت مع صديقي محمد وخرجنا من المخيم، بعد أن أبلغنا البقية أننا سنبقى بانتظارهم أمام باب المخيم.


 بعد أن خرجنا من المخيم، أغرانا منظر الحدود للاقتراب من الشبك في جانبه التركي، بعد قليل تجمعع حولنا بعض الشباب المراهقين يسألون إذا كنا نريد شيئا معينا أو نريد الذهاب إلى حلب، أو الدخول إلى الأراضي السورية، ولما تأكدوا أنهم لن يشتروا منا شيئا ولن يبيعونا شيئا تابعوا الدردشة معنا، فسألت أكثرهم حيوية وذكاء: كم عمرك؟ قال: ١٦ سنة، تابعت: وماذا تعمل؟ قال: أي شيء وكل شيء، فأنا أعيل أمي وإخوتي. قلت له: أين أبوك؟ قال: إنه يقاتل في جبهة "مورك"، وسألني هل تعرف أين تقع مورك؟ قلت له: نعم أعرف. عدت لأسأله كيف يعيل عائلته، فقال هامسا في البداية، ثم بصوت مسموع: في التهريب والعتالة. سألته: باتجاه سوريا؟ قال: بالاتجاهين؛ من سوريا إلى تركيا وبالعكس. سألته: والمدرسة، ألا تريد الذهاب إلى المدرسة؟ ضحك بعذوبة وقال: عندما تقدم المدرسة لنا ما يطعم أسرتي سأفكر بالذهاب إليها، علما أنني لست بحاجة للمدرسة، فما أتعلمه هنا من المهربين والشرطة والناس أهم بكثير مما يمكن تعلمه لنا المدرسة. بعد قليل وصل كميون صغير محمل بالبضائع فذهب نحوه الشباب راكضين.


 فتاة الحمام
 قررنا أنا وصديقي الاستفادة من وجودنا في غازي عنتاب وزيارة القلعة الأثرية التي قِيل لنا إنها نسخة مصغرة عن قلعة حلب، ولكنها للأسف كانت مغلقة بسبب أعمال الترميم، فتجولنا في محيطها، وإذ بنا أمام حمام أثري تركي. اقتربنا من الباب وإذا بشابة صغيرة في العمر تضع حجابا سوريا تسألنا بلهجة حلبية إذا كنا نريد زيارة الحمام فقلنا لها نعم، غابت دقيقة داخل الحمام وعادت مع عجوز عرفتنا عنه بأنه المستثمر، سلم الحاج مصطفى علينا بود ظاهر وطلب من الفتاة اصطحابنا في زيارة أقسام الحمام. كان الحمام خاليا من الزوار وهذا ما سمح لنا الاطلاع على كل قاعات الحمام. سألنا الفتاة عن أهلها فقالت إنهم يسكنون في دار الحاج مصطفى، سألتها عن عدد الساعات التي تعملها في الحمام فقالت بحدود ١٢ ساعة يوميا. سألت الفتاة عن عمرها فقالت ١٦ سنة، وعن نوعية الأعمال التي تقوم بها فقالت كل شيء، تنظيف وغسيل ومحاسبة وطبخ ومسح، باختصار كل ما يطلبه مني صاحب العمل، فنحن نسكن عنده مجانا وهو طيب فعلا، ومع ذلك فإنه يعطيني ٢٥ ليرة يوميا لقاء ساعات العمل كي أشتري الطعام واللباس لأهلي. قلت لها: ألا تشعرين بالتعب؟ قالت: كل الناس تتعب يا أستاذ، ولكن علينا العمل كي نعيش.


 غادرنا المكان أنا وصديقي، مستحضرا من الذاكرة صورة الشابين المراهقين الآخرين وسائلا نفسي: هل نلوم السوريين إذا ما انفجروا وفجروا العالم!

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
" فيسبوك" تُطلق تطبيقا جديداً لصناعة "الميمات"      مجزرة روسية جديدة في "معرة النعمان"      الحراك متمسك بمطالبه.. لبنان: الإفراج عن متظاهرين احتجزوا إثر احتكاك مع الأمن      اغتيال عميل لإيران وحزب الله في درعا      خلال 16 يوما.. توثيق مقتل 56 مدنيا بينهم 19 طفلا شمال سوريا      فصائل المقاومة تستعيد السيطرة على بلدة شرق إدلب      الصحة العالمية: 70 ألف يمني قتلوا أو أصيبوا جراء الحرب      نتنياهو يعلق على الضربة: سنضرب كل من يعتدي علينا