أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

مختصون بسواد الوجه.. خطيب بدلة

صورة تعود لعام 1987 التقطت في بيروت - ارشيف "زمان الوصل"

معظم الدول العربية تاجرت بالقضية الفلسطينية، وحققت، من خلال هذه التجارة، أرباحاً وفيرة، بدليل أنها استمرت بالاتجار بالقضية ذاتها على مدى سبعين سنة، دون توقف، أو فاصل منشط، فلو أنها خسرت مرة أو مرتين، لتوقفت و(كَسَرَت الدَّفَّ وبَطَّلت الرقص) على قولة المثل الشعبي. 

ولعل نظام حافظ الأسد الذي أورثه لابنه بشار هو أبرز المتاجرين بهذه القضية النبيلة، وأمهرهم، وأكثرهم خبرة، ولديه فيها صولاتٌ وجولاتٌ ومبارياتٌ ليست كمباريات الفريق السوري لكرة القدم الذي كان يخسر إزاء الفريق الآخر، ويكسب- بحسب المعلقين الرياضيين الذين تتلمذوا على يد عدنان بوظو- شرفَ اللقاء مع الإخوة والأشقاء العرب والأصدقاء من بقية دول العالم!    

هذه الخبرة التي اكتسبها نظام الأسد في الاتجار بالقضية الفلسطينية، جعلته يُجري ما يسمى في عالم الاقتصاد بـ "تقسيم العمل"! فحينما يتطلب الأمر إطلاق كذبة استراتيجية كبرى، ينبري رئيس النظام نفسه لإطلاقها، فيقول، في أقرب خطابٍ له، إن القطر العربي الصامد يتبنى القضية الفلسطينية، وتقوم سياسته كلها على مبدأ الدفاع عن الشعب الفلسطيني، ومحاربة إسرائيل ربيبة الاستعمار والإمبريالية والصهيونية العالمية التي تحتل أرض فلسطين العربية، والسعي إلى تحقيق توازن استراتيجي مع العدو الإسرائيلي، أو تحقيق "توازن الرعب" مع هذا العدو الغاصب، وحينما ننتهي من الكذب، ونأتي إلى الجد، ويقوم النظام نفسه بتجريد حملة عسكرية إلى لبنان الشقيق مهمتها الأساسية (بالبنط العريض) القضاء على المقاومة الفلسطينية، أو يرسل النظام عناصر مخابراته وشبيحته، ليلاً، لاعتقال عدد لا بأس به من كوادر الأحزاب الفلسطينية والناشطين السياسيين الفلسطينيين المقيمين في سوريا، ثم يجعلهم يموتون تحت التعذيب، أو يمضون ما تبقى من أعمارهم في غياهب المعتقلات، فإن الشخصيات الفاعلة في النظام كلها تخرس، والإعلام السوري لا يخرس، بل يتابع الحديث عن النقاط الرئيسية التي وردت في آخر خطاب للقائد التاريخي الكبير الرفيق المناضل (حافظ أو بشار بحسب المرحلة)، وعن الثوابت القومية للقيادة السورية المناضلة، وتأتي في مقدمة هذه الثوابت قضية العرب المركزية، قضية فلسطين.

وحينما يستشعر النظام السوري الخطر، الخطر الحقيقي الذي يمكن أن يودي بحياته، يجد وقتها أن لا بد من قول الحقيقة، والصدق، ولكن لا يجوز أن يقولها الرئيس نفسه، لأنه مختص بالأكاذيب (فإذا صدق يسبب للقارئ نوعاً من الارتباك في الفهم)، لذلك يبحثون عن واحد من شخصيات الظل، ليس له أية علاقة سابقة بالتحدث للإعلام وإطلاق التصريحات، ويطلبون منه أن يصرح بالحقيقة، مثلما فعل رامي مخلوف حينما قال، في بداية الثورة السورية التي ستقتلع نظام الاسد من جذوره، إن أمنَ سوريا من أمن إسرائيل، وبالتالي يجب على إسرائيل والقوى الاستعمارية والإمبريالية الحبيبة الداعمة لها، أن تعرف ذلك، وتبذل الغالي والنفيس في الدفاع عن نظام الأسد، ومنعه من السقوط، لئلا يتضرر أمن إسرائيل الحبيبة.

لا يهتم واحد مثل رامي مخلوف، ولم يهتم، ولا يمكن أن يهتم بسواد الوجه الذي نجم عن هذا التصريح الذي يرقى (من وجهة نظر النظام نفسه) إلى مرتبة الخيانة العظمى، لأن سواد الوجه كان، طيلة السنوات الماضيات، هو السمة الأساسية لنشاطه الاقتصادي، فقد نزل حضرته من القرداحة إلى دمشق وليس معه- كما يقول بديع الزمان الهمذاني في مقامته- عَقْدٌ على نَقْد.. وفجأة أصبح الوكيل الحصري لأي عملية استثمار تجري في سورية!!.. وكل من يريد أن يستثمر، بأي مبلغ صغير أو كبير، يجب عليه أن يقوم بأحد أمرين، فإما أن يقبل برامي مخلوف شريكاً له، من دون أن يشاركه بالرأسمال، ويسجل اسم إحدى شركات رامي كشريك له في السجلات الرسمية للدولة، أو أن يقبل بالحل الآخر، ألا وهو السماح لموظفي رامي بأن يراقبوا أرباح شركته، ثم يدفع نسبة معلومة من هذه الأرباح لرامي بيك، يدفعها مثل الذين كفروا.

الآن، وقد مضت ثلاث سنوت ونيف على بداية الثورة، يكتشفون السوريون أن كل ما قاله النظام السوري عن الثورة والأحداث كان كاذباً، عدا التصريح الذي أطلقه رامي مخلوف (وينتمي إلى جنس الخيانة العظمى)، فهو صحيح تماماً.

(19)    هل أعجبتك المقالة (18)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي