أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

مستقبل المواطنة في عصر الصورة ... احمد عسيلي

مقالات وآراء | 2014-09-03 00:00:00
مستقبل المواطنة في عصر الصورة ... احمد عسيلي

لو أنك أيها القارئ ، فتحت التلفزيون صدفة ، لتجد مصارعة حرة ، أو مباراة لكرة القدم ، أو حتى عراك حقيقي ، يدور بين شخص ، أو مجموعة أشخاص من دولتك ، و أشخاص من دولة أخرى ، فإنك تلقائيا ستشجع فرد أو أفراد دولتك ، و ستتمنى لهم النصر .
لن يخطر ببالك لوهلة الطرف الأخر ، و لن تسأل نفسك عن الخلافات الفردية بينهما ، ربما يكون الشخص في المصارعة الحرة ، من الدولة الأخرى ، أقرب إليك فكريا و نفسيا من مواطنك ، ربما يحمل قلبا أكثر طيبة ، أو ربما لو اجتمعتم أنتم الثلاثة في مكان واحد ، لشعرت بنفور من مواطنك ، و بقرب شديد من هذا الأجنبي . أو هؤلاء الأجانب في حالة كرة القدم .
لكن ما الذي يدفع الإنسان تلقائيا لمناصرة أبناء بلده ؟
هو بكل بساطة ، مجموعة تصورات و مشاعر عميقة داخل الإنسان ، تجعله يضفي على أبناء بلده قيم و مواصفات فريدة ، تميزه عن الآخرين ، بالإضافة إلى إحساسك أن الوطن الواحد الذي يضمكم ، سيؤدي تلقائيا إلى وجود أخلاقيات و مبادئ مشتركة تجمعكم ، بالإضافة الى اعتقاد الإنسان ، أن الوطن يعني بشكل ما الحماية المتبادلة ، بمعنى أنه إذا حل على البلاد طارئ ما ، أو عدو ما ، فإن ابن البلد هو الذي سيحميك ، و هو الذي ستحاول قصارى جهدك أن تحميه ، و حتى دون وجود هذا العدو الخارجي ، فإن ابن البلد أحن على الإنسان من الأجنبي .
هذه العقائد و التصورات تلقائية ، و تدخل ضمن دائرة المسلمات أو الغير مفكر فيه .
و بالرغم من أن الخلافات العرقية و الدينية داخل الوطن الواحد ، ستدفع إلى شيئ من تشويه الآخر الوطني ، و ربما السخرية منه أحيانا ، أو وصفه ببعض السلبيات ، لكن هذه الخلافات تبقى أقل رسوخا أو تأثيرا على النفس من مشاعر المواطنة ، لهذا تجد من الشائع تشجيع أبناء البلاد لمغني ، أو كاتب ، أو فنان تشكيلي من أبناء بلدهم ، حتى لو كان من الطرف الآخر داخل الوطن .
هذه المشاعر بالمواطنة ، أصبحت حاليا على المحك ، و بشكل جدي ، بعد انتشار عصر الصورة ووسائل التواصل الإجتماعي ، التي أصبحت تنقل دواخل المجتمع ، و أمراضه المستترة ، إلى العلن .
فالصورة المتحركة ، أو مقطع الفيديو ، يملك تأثيرا ضخما على الإنسان ، لأنه يحرك و يستفذ حواسه كلها ، و بالتالي يملك تأثيرا أكثر عمقا من أي وسيلة أخرى .
فالكثير منا قرأ مذكرات و روايات عن حوادث المعتقلات ، و حفلات التعذيب التي يقوم بها أبناء البلد الواحد ضد بعضهم ، لكن هذه الروايات أثرها أقل بما لا يقارن من مقطع فيديو مسرب ، لأننا في الحالة الثانية ، نشاهد مواطننا ، و نسمعه ، و كأننا نعيش الحدث ، و هو يعذب و ينتهك المواطن الآخر ،
بل إننا للحظة ما ، يخيل إلينا أننا نعرف الجاني ، و نعرف الضحية ، فكلاهما يملكان الصفات الجسدية و الشكلية و نغمة الصوت ، أي اللهجة ، التي نشاهدها و نحياها يوميا في الشارع ، و بالتالي ستدخل هذه المقاطع إلى عمق الإنسان ، و ستبدأ بمنافسة ، أو حتى إزاحة مفاهيم المواطنة الأصيلة التي استقرت داخله ، و ستملك تأثيرا موجها لعواطفه و مشاعره و انتماءاته ،
فالمواطنة قبل عصر الصورة و اليوتيوب ، لن تصبح كما قبلها ، و خاصة في شرقنا الذي أجاد طمس ، أو الدفع للداخل ، بكل مشاكله الإجتماعية ، و السياسية ، و الإقتصادية ، محاولين دائما رسم صورة جميلة و كبيرة ، تخفي تحتها أطنان من القمامة البشرية ،
لتخرج هذه الأطنان بشكل مفاجئ ، و تظهر لنا المشهد صحيحا وعلى حقيقته .
فالعنف داخل المجتمع السوري ، الذي ترتكبه قوات النظام ، كان موجود سابقا ، كتب عنه عشرات المعتقلين السابقين ، و ربما شعر به الكثير منا في الشارع ، و في الحي ، فكلنا يعرف العديد من قصص الإختفاء المفاجئ للسياسيين ، أو حتى لبعض المواطنين العاديين ، و كلنا كنا نشعر بثقل و رعب الأجهزة الأمنية ، و كنا نشعر بالتمييز الطائفي داخل أجهزة الدولة ، لكننا نحاول المراوغة و التبرير ، لتخرج علينا مئات من مقاطع الفيديو (المسربة ) الخارجة من أقبية النظام ، و تضعنا أمام الحقيقة وجها لوجه ، و دون إمكانية للتجاهل ،
أصبحنا نرى مباشرة ماذا يحدث داخل أبنية الرعب ، و صرنا نعايش انقسامات مجتمعاتنا دون مواربة ، و تلاحقنا هذه الصور بشكل مستمر أينما ذهبنا .
كلنا رأى هذا الشبيح الذي يحمل في يده سيجارة ، و يضحك شامتا قبل إلقاء براميل الموت ، كلنا رأى مقطع الفيديو الذي يظهر لنا أهالي ريف حلب ، و هم يلقون القبض على الطيار بعد إسقاط طائرته ، و عرفنا أن هذا الطيار سوري ، و له اسم سوري مثل اسمنا ، و لديه عائلة تسكن داخل حدود وطننا ، و شاهدنا أفراد عائلته ، الذين يشبهوننا ، و يتكلمون لهجتنا ، و هم يطالبون بالإفراج عنه .
لذلك لم يعد الوطن و المواطنية داخل المجتمع السوري بعد الثورة ، كما كانت عليه قبل الثورة ، و لم يعد مفهومنا عن ابن بلدنا كما كان عليه سابقا ،
هناك بعض الأقلام التي حاولت الإستمرار بسياسة التبرير هذه ، ملقية اللوم على الآخر الإيراني مثلا ، او العراقي أو الحالشي ، لكن الصورة و الفيديو أقوى من كل قلم ، و لم يعد هناك طريق للهروب .
علينا أن نعترف بكل جرأة : إنه ابن البلد .
لهذا أصبحت مهمة إعادة بناء مفهوم المواطنة ، داخل المجتمع السوري ، عسيرة جدا بعد انتشار ثقافة الصورة ، و تتطلب مقاربة مختلفة من قبل علماء الفكر السياسي ، و الإعلاميين ، و المثقفين ، من أجل الإعتراف بالعفونة التي عمل الأسد على نشرها في المجتمع ، و محاولة خلق تصور جديد لشريك الوطن هذا ، لا يغفل عن الجرائم ، و الجرائم المضادة ، التي حدثت بين الطرفين ، لكنه يحاول استيعابها و هضمها ، و البناء عليها من منطلق المصلحة الواحدة ، و قائمة على أساس طي صفحة الأسد بعد محاولة التخلص من كل تبعاتها .
لكن تبقى هذه المهمة في انتظار سقوط النظام ، و حتى ذلك الوقت ، ستبقى مفاهيم المواطنة في تراجع مستمر ، و ستتعقد مشكلة إعادة بناء هذا المفهوم كلما تأخر السقوط ، الذي نتمنى أن يكون أقربب مما نتخيل ، لأن سوريا تستحق التخلص من هذه العفونة .

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
بإشراف قاسم "سليماني".. دورة تدريب مكثفة لقيادة الطائرات المسيرة في "حلب الدولي"      ريهانا تدشن علامة أزياء جديدة في باريس      الحصبة تمتد إلى الولاية الأمريكية رقم 25      فيفا: كأس العالم 2022 في قطر من 32 فريقا      دراسة: زيادة النشاط البدني تحسن جودة النوم لدى المراهقين      سفير السلام عبر الشوكولا والموظف الأكبر.. نموذج سوري للنجاح في كندا      راعية "بريكست" ترحل.. "ماي" تستقيل غدا الجمعة      فقط على عهد "قسد".. كهرباء "الفرات" تصل إلى النظام