أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

قراءة ورؤية في الثورة السورية ... عبد الناصر العربي

اختلف البعض نظريا حول انطلاقة الثورة في سوريا ففي حين اعتبر الكثيرون إن تعذيب أطفال درعا و اهانة مشايخها ووجهائها كانت شرارة الانطلاق وهي حادثة لم تكن بالبسيطة في كيفية تعامل رجال الأمن بوحشية غير مسبوقة مع أطفال بعمر الزهور ومع ذويهم وذهب آخرون إلى اعتبار اعتصام الداخلية للمطالبة بالمعتقلين الذي نظمه بعض السياسيين والناشطين في مجال المجتمع المدني وحقوق الإنسان أمام وزارة الداخلية في ساحة المرجة في العاصمة دمشق والذي اعتقل على أثره ثلة من أولئك المعارضين هو نقطة البداية في حين أصر البعض إن حادثة ساحة الحريقة في دمشق والتي أهان احد رجال الشرطة تاجر من ال نسب ما دفع التجار وعمالهم للتجمهر وإطلاق صيحات الشعب السوري ما بينزل ولتجبر وزير داخلية النظام محمد سعيد سمور آنذاك للنزول بين الناس وهي حالة غريبة على سلوك النظام وإن دلت فإنما تدل على تخوف النظام من انتقال عدوى الثورات التي بدأت في المنطقة العربية بما عرف بالربيع العربي وفي محاولة احتواء الموقف مهدااً الناس بقوله " هي مو مسيرة هي مظاهرة ها ؟؟!!! هي الشرارة التي أشعلت البيدر
ولو انطلقنا من أن كل ما سبق شكل حافزا ومحرضا ودافعا لأول شرارة مع عدم إغفال هبوب رياح الثورات والتغيير في المحيط العربي لسوريا فإنني كنت ومن البداية أرى أن جمهور الشعب السوري قد وصل إلى حالة من الاحتقان والغضب نتيجة التهميش والذل وسياسة الإقصاء والإفقار والامتهان والجوع وبمختلف شرائحه إلى نقطة اللاعودة وان ما حدث إنما هو في سياق الصيرورة التاريخية لحركة الشعوب في لحظة فارقة للانعتاق من الاستبداد والقهر والحكم الفردي الشمولي في ظل عالم قطع أشواطاً في المدنية ودولة القانون والديمقراطية وحرية الفرد والمواطنة
فقد أوصلت سياسية النظام الأمنية ومنظومة الاقتصاد المافيوي الممنهج إلى أحساس الإنسان السوري بدونية ما دون البشر أو حتى مادون العبيد وأضاف إلى ذلك انتشار أجهزة الاتصال الحديث والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي كشفت مجددا عن عورات النظام المافيوي وعن كذب كل ادعاءاته خلال سنوات السجن الطويل التي اقفل على الشعب السوري أي منفذ لرؤية ما وصل إليه العالم من حوله من مدنية وتحضر وتطور ورقي للإنسان حتى في الدول العالمثالثية المحيطة به محاولا النظام بإطباقه ذلك تثبيت واستمرار كذبه بأنه الأفضل وان سوريا جنة الآمن والأمان وان عهده وقبله والده كان مشروع الجنة الموعودة!!
كل ذلك جعل بدايات شهر 3-2011 تاريخا بدأت فيه تغيرات ستترك بصمتها في تاريخ سوريا وسيبدأ التاريخ بعدها بكل ما حملته وسوف تحمله فما أن قامت درعا حتى تبعتها بانياس فدوما بسوار دمشق ثم اللاذقية وأصبحت الشمعة شعلة والشعلة منارا وبدأت المظاهرات تنتشر وتتوسع في أرجاء البلاد من قرية إلى أخرى ومن مدينة لأخرى وكانت بداية صيحات الحناجر تندد بالعسف والجور والقهر وتطالب بالحرية دونما أي دعوات تذكر بإسقاط النظام الذي بدا واضحا منذ البداية سرا وقبل العلن انه اتخذ خياره العسكري الوحشي فبدأت أخبار إطلاق الرصاص الحي على المظاهرات تتصدر نشرات الأخبار العربية والعالمية والاعتقالات كذلك بين صفوف الشباب والمتعلمين وانتشرت الحواجز وسياسة تقطيع أوصال المدن عن بعضها
" وهي النصيحة التي همس بها الحليف الروسي " وازداد الوضع سوءا وطال صبر الناس وازداد آلمهم وغضبهم وفقدهم لأحبتهم وأصدقاءهم وبرز ضعف وزيف دعوى المجمتع الدولي المتشدق بحقوق الإنسان , كل ذلك دفع البعض لحمل سلاح خفيف اتخذ بداية شكل حماية المظاهرات مما حقق للنظام ضالته الضائعة بوصفه للمتظاهرين السلميين بأنهم إرهابيون مدفوعون من أنظمة خارجية وأنها مؤامرة كونية على نظام المقاومة والممانعة ؟؟!!
وكانت بداية تشكيلات ما سيسمى لاحقا بالجيش الحر عبر تشكيل بعض الجيوب المسلحة ومن تمويل شخصي داخلي لحماية الناس والأعراض وعبر حدوث بعض الانشقاقات البسيطة من شرفاء الجيش ضباطا وصف ضباط وأفراد إلا أن النظام زاد من وحشيته وتنكيله غير أبه بكل النداءات الخجولة التي كانت تطلقها بعض الدول عبر تصريحات هنا أو نداءات هناك وبدأت الثورة تأخذ شكلا آخر فبالإضافة لاستمرار شكلها السلمي صار لها ذراع عسكري بدا يجني ثمار بعض عملياته البسيطة من ملاحقة الجواسيس " العواينية " او صد هجمات الحواجز على المظاهرات السلمية وبدأت بعض الدول الصديقة مد يد العون بتقديم المال والسلاح بحسن نية حينا وبسوء نية حينا آخر وهنا بدأت تتبلور التشكيلات العسكرية الجناح المسلح للمعارضة وأصبحت أمراً واقعا وراهنا ومفروضا وضرورة حتمية فرضتها ظروف الثورة وتوحش النظام وغض طرف العالم المتحضر عن جرائمه التي فاقت كل تصور "برغم اعتراض بعض المثقفين حينها على عسكرة الثورة !!" إلا أن واقع الثورة فرض ذلك وكان للحاضنة الشعبية للثوار الأحرار الأثر الأكبر في صموده وتقدمه وهنا تجدر الإشارة إلى أن النظام حينها لم يكن يدرك ما يدور من حوله تماما فلقد استطاع الثوار وبسلاحهم البسيط أن يقضوا مضجعه وان يصلوا إلى أعتاب قصره داخل العاصمة دمشق وفي حي الميدان تحديدا على بعد أمتار منه
وهنا حدث التحول التكتيكي في أسلوب النظام وشركاءه فبعد أن كان شركاء النظام من روسيا وإيران وذراعها حزب الله وكوريا الشمالية والصين تدعمه في المحافل الدولية سياسيا وبالأسلحة بدأت بإرسال الخبراء والعتاد والمقاتلين حتى وبتزويده بأسلحة غير تقليدية وبالخطط والقيادة الميدانية على الأرض في حين بقيت وعود ما سمي بأصدقاء الشعب السوري حبرا على ورق لم تتجاوز حدود مؤتمراتها المتعددة التي تكلل دائماً بالتنديد والاستنكار والدعوة للرحيل في أحسن أحوالها!!
ومع طول أمد الثورة وبروز تشكيلات سياسية تنامت كالفطر و تذبذبت بين دورها السياسي وارتباطها بالأرض وانشغلت في حروبها البينية بالاتهام والتشهير والتخوين حينا وبالاهتمام بالشكليات والبروتوكلات وبالتسلق على الثورة من بعض منها حينا أخر إضافة إلى
تشرذم وتذرر الفصائل المسلحة نتيجة لتفاوت وتعدد جهات الدعم دخلت البلاد في دوامة بين كر وفر وتقدم هنا وتراجع هناك تحرير هنا وانسحاب هناك على جميع الأصعدة ما أعطى الفرصة الذهبية للنظام في اختراق الصفوف وبث الفرقة وتحقيق نصر ولو إعلامي بزرع علم على خزان ماء " المعضمية مثالاً " مع الإقرار هنا بزيادة توحش النظام واستخدامه لأساليب قتل وتدمير لم تعهدها البشرية وتراخي التعاطي الدولي مع مجريات الثورة السورية
وعجز ت المعارضة السياسية عن الاستفادة من داعميها ومواليها كما يجب وبدأت الهوة تتسع بين المعارضة السياسية بكل تشكيلاتها من جهة وبين الفصائل المسلحة و القواعد الشعبية الحاضنة للثورة من جهة أخرى ما عزز موقف النظام على الأرض وقلل من داعمي ومؤيدي الثورة السورية في كافة المحافل الدولية والإقليمية وباتت أيام الثورة الأولى وبداياتها حلما يراود كثيرا من السوريين وحلم الأمان المزيف في عهد النظام يدغدغ أحلام بعضهم هرباً مما وصلوا إليه من تشرد وتهجير وقتل واعتقال وخذلان ويأس ممن حلموا بهم كممثلين عنهم وحملوا الرايات لهم يوماً في بداية الثورة !! وهنا وجب على الجميع دق ناقوس الخطر
وعلى المعارضة السياسية إعادة حساباتها سيما وان الوقت ليس من صالح احد وان تعود لأخذ زمام المبادرة في التأكيد على أن توحيد ودعم المعارضة المسلحة هو الحجر الرئيس و الأساسي والمحوري لأي تقدم سياسي أو تفاوض
لان النصر الحقيقي سيكون من الأرض وعلى الأرض مع أهمية الدور السياسي الداعم ويتم ذلك عبر إعادة توحيد الصف و التنسيق بين كافة التكتلات السياسية ونبذ الخلافات الجانبية و الأيدلوجية والإيمان بأهداف الثورة والاقتراب من نبض الناس أصحاب الثورة الحقيقيين وإعادة توجيه البوصلة نحو محاربة النظام وتجاوز كل الخلافات الجانبية ويتم ذلك عبر المكاشفة والشفافية في تنظيم وتوحيد كافة موارد الدعم المالي والإغاثي عبر وضع منظومة عمل موحد وإنشاء مكاتب ارتباط حقيقي مع الداخل ودعوة كافة الفصائل إلى كلمة سواء هي الوطن وحريته وكرامته وصون ترابه
مع الإيمان بأهمية وصحة الخلاف ضمن الكل الواحد بما لا يحرف العمل عن الهدف الأوحد وهو إسقاط النظام القمعي بكافة أركانه وتحالفاته ومواليه والعمل على بلورة موقف واحد موحد من الحراك الثوري ورفعه إلى المحافل الدولية
والعمل على مخاطبة الدول والشعوب الأوربية بلغتها وأدواتها سواءً السياسية أو الفكرية أو الثقافية أو الفنية وجعل قضية الشعب السوري في توقه للحرية قضية رأي عام عالمي عبر المنظمات الإنسانية والمدنية وتوجيه الرسائل لشعوب العالم الحر وبكافة الوسائل للضغط على حكوماتها والاستفادة من كافة الخبرات السورية المتواجدة في أرجاء المعمورة نصرا لقضية هذا الشعب المظلوم الذي يواجه اعتي جلاوزة العصر
يجب إعادة بريق الثورة والثورة إلى أصحابها الحقيقيين وعدم السماح بسرقتها أو تحييدها أو اطالتها اكثر فالوقت لم يعد في صالح احد......................................
وقبل فوات الأوان


التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي