قراءة في حديث الجولاني.. سعاد خبية

أماط خلال حديثه اللثام عن رؤيته ورؤية جبهة النصرة عموما حول عدة قضايا ولكنه بقي مجهولا بذاته وغير معروف الأصل والهوية والملامح.
يجلس وظهره للعدسه ووجهه مخفيا خارج دائرتها كانت تلك إطلالة "الجولاني " الأولى على السورين في لقاء خاص معه بثته شاشة قناة الجزيرة مساء الخميس .
كان لافتا انتقاد قائد جبهة النصرة في سوريا أبو محمد الجولاني أسلوب المغالاة في تكفير الأفراد والمجتمعات المسلمة، وقال " إن الجبهة لا ترى هذا المنهج، بل تعتقد أن المجتمعات في بلاد الإسلام مسلمة في عمومها، وتعنّف ،بل وتعاقب، كل من يقول إن الأصل هو كفرُ هذه المجتمعات " ، وهو ما يختلف عضويا مع فكر القاعدة المعروف بهذا الجانب فيماأنه أكد غير مرة خلال حديثه أن الجبهة ملتزمة بكل وصايا شيخها وأميرها ايمن الظواهري (زعيم تنظيم القاعدة ).
منذ أكثر من عام والسوريون يسمعون باسم "الجولاني " أمير جبهة النصرة دون أن يلتقوه مباشرة ، فيما استطاع تيسير علوني مراسل محطة الجزيرة تسجيل هذا اللقاء معه وقد كان له في الماضي تجربة مشابهة مع زعيم تنظيم القاعدة في افغانستان أسامة بن لادن ورغم التشابهه الكبير في الفكر والخلفية ونبرة الصوت والهدوء الذي ظهر به الجولاني والذي يتقاطع مع صفات زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن إلا ان فارقا مهما كان بينهما وهو قدرة بن لادن على الظهور بشكل علني ومواجهة من يحدثهم مباشرة ، وكسب أنصار ومؤيدين له من خلال تلك المواجهة فيما غاب الجولاني عن الصورة تماما ليظهر جزء من رأسه من الخلف وبعض يده وصوته فقط وهو ما يطرح سؤال قد يكون محقا وفي مكانه تماما مما يخاف الجولاني وممن يتخفى ؟ .
هل يخفي الجولاني وجهه عن منهج خاص ؟ أو رغبة في التميز كون الساحة السورية باتت تكتظ بالأمراء والقادة المتشابهين في الخلفية والمنهج ؟ أم هو خوف من كشف هويته للنظام السوري أو للطرف الآخر الشعب السوري نفسه ؟ أسئلة تتبادر إلى ذهن أي شخص يتابع لقاءه ،فيما يُكر بأنها ليست المرة الأولى التي يخرج فيها الجولاني بتلك الطريقة ،فقد ذكرت "مجلة التايم " الإمريكية في إحدى تقاريرها أنه في إحدى الإجتماعات التي ضمت الجماعات المسلحة البارزة وحضره قادة كتائب أحرار الشام ولواء صقور الشام ولواء الإسلام وغيرها من الكتائب, فيما بقي أبا محمد الجولاني متلثما رافضا الكشف عن هويته ضمن الاجتماع .
والأهم لماذا الآن ؟ لماذا قبل الجولاني الآن الخروج والحديث للاعلام ؟ ولماذا يختار الجزيرة تحديدا للحديث ؟ هل يشعر الجولاني بأن الوقت قد حان ليتحدث إلى السورين مع كل تلك الانتقادات والتساؤولات التي توجه لبعض التيارات والكتائب الاسلامية على المستوى الإعلامي والشعبي السوري مع ازدياد وتفاقم الوضع الإنساني المأساوي عموما وما يتم تناقله من أحاديث حول ربط بعض تلك المجموعات واتهامها بالتعامل مع النظام وإيران وهو ما أراد الجولاني أن يثبت عكسه من خلال هذا اللقاء ؟.
أشار الجولاني خلال حديثه إلى مراحل تشكل وتطور تنظيم جبهة النصرة في سوريا قائلا بأنه تشكل بداية من دخول ثمانية سورين فقط غليها إبان انطلاق الثورة فيما يبدو بأن وجهتهم كانت من العراق وذلك بعد تواصلهم مع قيادات دولة العراق الإسلامية في كما يقول .
اقر الجولاني بأن عملياتهم الأولى في دمشق كانت في نهاية شهر كانون الأول من عام 2011 والتي استهدافت " أمن المنطقة وفرع المخابرات الجوية وفرع الأمن الجنائي ووزارة الداخلية و الأركان العامة " وهو ما يبرأ النظام بشكل كامل من القيام بتلك العمليات ويختلف مع رؤية السورين حينها الذين كانوا يوجهون أصابهم لاتهام نظام الأسد بافتعال تلك التفجيرات بهدف خلط الأوراق واتهام الثورة وحرفها ومحاولة تشويهها أمام الرأي العام ،في حين كان كثير من الآراء يجمع على صعوبة القيام بمثل تلك العمليات داخل دمشق تحديدا مع كل ذلك الاستنفار الأمني داخلها في ذلك الوقت ، فهل يمكن ثلمانية أشخاص فقط أن يكونوا عماد تلك المجموعات التي خططت ونفذت عمليات بذلك الحجم تتعامل مباشرة مع أهداف بتلك الحساسية والأهمية ؟
يربط الجولاني مشروعه في سوريا بسلسة من الأحداث التاريخية انطلقت بداية من مصر وسوريا قائلا لولا الجهاد الذي حصل في الستينات في مصر لما إنتقل إلى أفغانستان . ولولا الثمانينات لما إنتقل إلى أفغانستان ولولا أفغانستان لما إنتقل الجهاد إلى العراق .. ولولا العراق لما إنتقل إلى سوريا فيما يعترف بأن الشام لم تكن مهيئة .. والمجتمع والنظام كانوا بعيدين كل البعد على قبول المنهج الخاص بنا .. "
أي أن الجولاني يقر بشكل واضح بأن المجتمع السوري ليس متجانسا بالأصل مع تلك التركيبة العقلية والفكرية التي ينطلق منها تنظيمه فيما يؤكد بأن الثورة السورية كانت الجسر الذي استُخدم للعبور إلى سوريا التي أسماها بــ " الأرض المباركة " ليتم العمل على تنفيذ المشروع المنتظر منذ خمسة قرون والذي سينطلق من أرض سوريا .
"الناس هنا (سوريا) بعيدين عن فكرة حمل السلاح وبعيدين عن فكرنا، الثورة مهدت لنا الطريق للوصول الى هذه الارض المباركة."
رفض الجولاني أي حديث في شكل الدولة والمقصود تحديدا هل هي "دولة مدنية "كما يتم التعامل معها ورسمها من قبل البعض أم هي "دولة خلافة على منهاج النبوة " كما تراها بعض الكتائب والمجموعات الاسلامية وتنادي بها ،وقد أرجأ الجولاني حسم هذا الأمر لما بعد سقوط النظام بشكل كلي ، وأوضح أنه يترك ذلك في حينه لمن أسماهم لجانا شرعية ولأهل الحَل والعَقد، وعلماء أهل الشام " ، مبينا الآلية بأنه سيجتمع الجميع لوضع خطة لإدارة البلد وفق شرع الله تعالى لبسط الشورى والعدل ، فيما لم يشر ضمن من عددهم بأي اشارة إلى الطرف الآخر من معادلة تحديد شكل الدولة وهي المعارضة السياسية أو الثورة أو الثوار أو الهيئات أو حتى الشعب السوري من هم من عددهم ؟ ومن هم أهل الحل ّ والعقد ؟ ومن هم العلماء ؟ ونعلم جميعا أن لا اتفاق حول أي من تلك الامور أو الشخصيات أو حتى المسميات فهل يترك كل شيئ معلقا بانتظار السقوط؟.
كان تركيز الجولاني في تسمية الوضع السوري الحالي بالحرب الطائفية وهو ما كرره عدة مرات وكان موقفه من جنيف حادا وقاطعا إذ انه يرى فيه محاولة لإحياء النظام السوري ، وما كان لافتا في هذه الجزئية اعتباره أي مشارك في جنيف شريك في الدماء أي " مساوي للنظام " رافضا أي حل قد يخرج عن جنيف 2 ، وقد وصف الجولاني المعارضة السياسية السورية بأنهم حبيسوا الفضائيات ورفع عنهم أي صفة تمثيلية للشعب السوري مؤكدا على أن المجتمع الدولي لن يقبل بأي جهة حاكمة في سورية إلا من أسماها "النصيرية " وهو بالضرورة ما سيتمخض عن هذا المؤتمر حتى لو كان رحيل بشار الاسد نفسه، وهنا أيضا كان الجولاني يتحدث بتعميم كبير ومن موقع الممثل الأوحد للشعب السوري والناطق باسمه وهو ما كان ينتقده في تلك المعارضة .
ألح الجولاني بشكل واضح على توجيه خطاب مباشر إلى الدول الاسلامية " السنية " والمقصود دول الخليج
- كل الانظمة السنية مهددة بالخطر خصوصا بعد التحالف الاميركي الايراني والتخلي عنهم كحلفاء مقابل الحليف الجديد.
وعزف على وتر إخافة السعوديين وإثارتهم بقوله "إن المناطق الشرقية في السعودية قد تقتطع لصالح النظام الصفوي إن هو أراد.
كان الجولاني مؤمنا بفكرة انهاء الصراع بالحسم العسكري ايمانا مطلقا وقد تحدث عن تفوق واضح لعمل الكتائب في مقابل تراجع كبير للنظام ، غير أنه كان يبدو وكأنه يدور ضمن فضاء خاص رسمه بنفسه مع جميع مسمياته وشخوصه وخطوطه حتى يظن السامع بأنه يعيش ضمن أحد الكتب التاريخية دون ملامسة واقعية لمعطيات الواقع الوطني والاقليمي والدولي بكل تشابكاته وتشعباته وعلائقه .
أماط الجولاني خلال حديثه اللثام عن رؤيته ورؤية جبهة النصرة عموما حول عدة قضايا ولكنه بقي مجهولا بذاته وغير معروف الأصل والهوية والملامح.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية