أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

مبدعون.. يهربون من الورق إلى الشاشة

تساؤلات عديدة أثارتها الهجرة الجماعية لطيور الإبداع المقروء إلى فضاء الدراما التليفزيونية، بعيدا عن جمهور قليل يهتم بالكلمة “المقروءة” إلى جمهور عريض يجلس أمام الشاشة الصغيرة، ليتابع بانتظام المسلسلات اليومية، حيث استطاع بعض كتاب الدراما أن يتوجهوا بأعمالهم نحو هذا الجمهور الذي يمثل القاعدة العريضة التي يحلم أي كاتب في أن تتواصل مع إبداعه.

وبين مؤيد ومعارض تثار التساؤلات حول الحضور المذهل لكتاب الدراما التليفزيونية، ومعرفة المشاهدين لأسمائهم وصورهم، بينما لا يجد الكاتب “المقروء” من يعرفه.

الكاتب محفوظ عبد الرحمن قال: انقطعت علاقتي بالقصة عقب إصداري مجموعتين قصصيتين “البحث عن المجهول”، و”أربعة فصول شتاء”، لكن المؤكد أن الكاتب لا يختار ما يكتب، والدليل أنني لو تركت لحريتي المطلقة لكتبت للمسرح، ولكنني لا أستطيع لأسباب عديدة؛ ففي العام 1965 كتبت سهرة تليفزيونية كانت في الأصل مسرحية منع عرضها، فقررت كتابتها للتليفزيون، وقد أثارتني هذه السهرة بشكل كبير، فعند كتابتي لقصة ما ونشرها كان الذي يصلني كرد فعل من الجماهير قليل جدا، فقرّاء القصة قليلون، أما هذه السهرة فقد قوبلت بتعليقات وردود أفعال متباينة، وهذا ما حمسني للكتابة التليفزيونية؛ فكتبت "سهرات" أخرى لاقت صدي جماهيريا ونجاحا لم أكن لأحصل عليه، إذا كانت "السهرة" مقروءة، وشيئا فشيئا تحولت من القصة إلى الدراما التليفزيونية.. وهذا شيء طبيعي، فكل عصر يفرض نوعا وجنسا أدبيا ويدعمه.

فيما يضيف الكاتب يسري الجندي: إن الأعمال التي قدمتها للتليفزيون مثل "ألف ليلة وليلة" و"الظاهر بيبرس"، و"علي الزيبق"، و"عبد الله النديم"، قد تعاملت فيها مع الدراما التاريخية، التي تحكمها ضرورات عديدة؛ أهمها: العلاقة التي لا بد منها بين الأمس واليوم وغدا، والتي تحدد ملامحنا وسماتنا؛ فالماضي يسكن داخلنا ويحدد ملامحنا الفنية ويعطينا شكلنا المتفرد عن غيرنا.

وبذلك يشير يسري الجندي إلى أهمية الارتقاء بالدراما التليفزيونية كفن موثر في جمهور عريض، يتعرف علي التاريخ ويحاول تفهم رؤية الكاتب في اختيار زواياه، ومن ثم يتأكد رقي الدراما التليفزيونية، وضرورة الانتباه إلى تأثيرها الفعال لدي المشاهد.

وفيما يتعلق بالتليفزيون، ألمح الجندي إلى أنه سيظل العمل فيه محكوما بجودة الصياغة الدرامية، وتصبح أحقية النجومية للكاتب الدرامي في المقام الأول، ويجب أن يدافع الكاتب المصري والعربي دائما عن كينونته باستمرار، وعلى الكتاب من جهة أخرى أن يشعروا بدورهم المؤثر.

ومن جهته، يقول الكاتب وحيد حامد: إن عجز كثير من المشاهدين عن القراءة للكتاب يعد من أهم أسباب تحول بعض الكتاب إلى الإعلام المرئي والناجح الذي يترك بصماته على السلوكيات وعلى العلاقات الاجتماعية وعلى اللغة.. مشيرًا إلى أن تحول الكاتب من المقروء إلى المرئي، يعني أن الكاتب ليس أديباً في الأصل.

ويذكر حامد أن بعض الأدباء الكبار قد تحولوا جزئياً إلى كتابة السيناريو، بينما حافظوا على إبداعهم الأدبي هذا بخلاف الأعمال الأدبية التي ساهمت في رقي الفن السابع مثل أعمال يوسف إدريس ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهم.

كاتب بلا قارئ

أما الكاتب الساخر يوسف معاطي، فيقول: لست أفهم أن يكون هناك كاتب بلا قارئ.. إن الدراما التليفزيونية جنس جديد لا يقارن بالمقروء، إنما هي أدب مرئي أو مسموع، وهو ليس أفضل من المقروء، ولم يطغ عليه أو يعمل على اندثاره.. مؤكدا أن تحوله إلى التليفزيون لم يكن لأسباب مادية، حيث إن الأجور لم تكن مجزية في البداية، وبذلك آثر على أن يتحول في منتصف الطريق تاركا رفاق الكتابة لكتابتهم المقروءة، وإبداعهم الذي ساهم في إثراء الحياه الأدبية، والذي تنظر اليه الدراما التليفزيونية بعين الرغبة ومحاولات الجذب لتحويله إليها.

بينما يرى الناقد د. عز الدين نجيب: أن الرواية الأدبية قد شهدت عصر ازدهار في الوطن العربي في فترة الأربعينيات والخمسينيات حيث لم يكن التليفزيون قد وجد بعد، فكان هناك نجوم الأدب الذين يكثر معجبوهم مثل: عباس العقاد، طه حسين، المازني، وغيرهم.. فإن فرصة القراءة في البيت العربي متاحة بشكل كبير لأن وقت العمل، كان محدوداً، إضافة إلى أن مناسبات الخروج كانت قليلة، فكانت هناك فرصة أكبر لقراءة الرواية الطويلة، حيث كان الجو الرومانسي سائداً في ذلك الوقت.

ولا يرى نجيب اختلافاً بين الأمس واليوم؛ فتفشي الأمية بنسبة كبيرة بين أوساط الشعب العربي إضافة إلى أمية المتعلمين، كلها أسباب باعدت دوما بين الكتاب المقروء وبين عامة الشعب، وبقيت القراءة محصورة في فئات بعينها، بل إن عشاق الثقافة أنفسهم، قد ابتعدوا عن القراءة المنتظمة نتيجة لضغط الحياة وظروفها القاسية.

مضيفًا: ما حدث بعد فوز نجيب محفوظ بنوبل؛ حيث لم تزد نسبة توزيع رواياته على ألف نسخة في السنة، وبالتالي فأي كاتب مهما بلغت مكانته لا يستطيع الوصول إلى الجماهير بنفس درجة التليفزيون.

خدمة وكالة الصحافة العربية
(62)    هل أعجبتك المقالة (59)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي