أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حقيقة الجهاديين ... مازن كم الماز


الجهاديون ظاهرة مركبة , معقدة .. الجهاديون ليسوا ظاهرة دينية أبدا , بل ظاهرة إنسانية , بكل ما تعنيه كلمة إنسانية من تفاصيل اجتماعية و سيكولوجية و فكرية الخ ..
صحيح أن الجهاديين ينسبون أنفسهم إلى حالة ماضوية و يعلنون أنهم تجسيدها المعاصر , لكن الحقيقة أن أفعالهم و أفكارهم , أن ثورتهم تأتي من مصادر مختلفة تماما .. ليس القرآن و لا السنة هو مانيفستو الجهاديين , و لا يمكن اشتقاق أو نسبة أفعالهم إلى تلك النصوص , صحيح أن الجهاديين "مؤمنين بعمق" بتلك النصوص لكن إيمانهم هذا يخفي إيمانا أعمق , هذه النصوص تمدهم بالجانب التقني البحت فقط الضروري لثورتهم , كان يمكن لهذا الجانب أن يكون أية فكرة أخرى , تحمل نفس الوعد بمعنى ما للعالم , للصراع و المعاناة , للبطولة و للعنف .. ليست الفكرة ( الدينية في هذه الحالة ) إلا تفصيلا هامشيا , المهم هو الصراع نفسه , على حدود المطلق و اللانهائي .. خلافا لما يتهم به الجهاديون عادة , لا يمكننا استحضار مفكرين ماضويين لفهم ظاهرة الجهاديين , من يمكنهم فعلا مساعدتنا في فهم هذه الظاهرة هم تحديدا نيتشه , كامو , دوستويفسكي , الماركيز دي ساد ( الذي تنسب إليه السادية ) , من بين آخرين .. سوبرمان نيتشه , راسكولنيكوف دوستويفسكي , طقوس الجنس العنيفة أو الدموية عند دي ساد , المتمرد الميتافيزيقي عند كامو , هؤلاء هم أقرب أنماط البشر إلى الجهاديين .. الجهادي تجسيد لفكرة نيتشه في أن المعاناة و الألم و المأساة هي التي تمنح الإنسان عظمته , فقط بمواجهة عالمه و أيضا بمواجهة هواجسه و تناقضاته , مواجهة يأسه و عبثية وجوده بشجاعة يولد السوبرمان .. تلك البطولة , و التراجيديا , هي حقيقة الجهادي .. لكن خلافا لحل نيتشه لغياب المعنى في هذا العالم , ينكص الجهاديون إلى معنى سهل , متاح , زائف و شعبوي أو قطيعي .. ليس فقط أنهم يعودون إلى القطيع , إنهم يخلقوه من جديد , و بعضهم يتحول إلى كلابه النابحة الحارسة .. هل أنهم لم يجرؤوا على قطع الخطوة الأخيرة نحو السوبرمان , هل خشوا من عظم المهمة أو "الأمانة" الملقاة على عاتق الإنسان , أم أنهم من الأساس حالة مائعة غير أصيلة من التمرد , من البحث عن ما هو عظيم في الإنسان .. لأن القبول بعبثية الوجود الإنساني هو شرط لمثل هذه الثورة , بل إنهم بخداع النفس هذا يرتكبون الخطيئة الكبرى ضد الحياة ( كامو ) ..
مع ذلك يبقى الجهاديون مخلصين جزئيا "للحقيقة" , إنهم يختارون اللاعقلاني , يختارون ما يرونه روحا , روحا مزعومة في عالم بلا روح , خلافا لما يفعله المثقفون من محاولة عقلنة ما هو غير عقلاني , من محاولة خلق معنى لعالم بلا معنى , عقل لعالم بلا عقل , هنا تنتهي الثورة , يصبح الخيار هو بين معنى زائف و آخر , و ليس في محاولة اقتحام المستحيل و المجهول , في محاولة خلق معنى إنساني , ثائر دائما ضد كل القيود , حرا محلقا , ضد العبث و الزيف معا .. هكذا تنكص ثورتهم عن حدود المطلق , هكذا يفرون من المعركة ضد الزيف , لينتصر الزيف مرة أخرى .. ليس العنف الذي يخيف أنصاف العبيد هو ما يبعث على القلق من الجهاديين , بل هذا النكوص عن مواجهة الزيف حتى النهاية هو المهلك في ثورتهم , و الذي يحكم عليها ربما بأن تكون ثورة مزيفة .. المثير للقلق أو الرعب ربما , هو ما لاحظه جورج أورويل عندما رأى كيف أدرك هتلر كذبة النظرة النفعية للعالم , التي تبناها عموما الفكر "التقدمي" و الليبرالي الأوروبي , أدرك هتلر أن العمال الألمان لا يريدون فقط ساعات عمل أقل و لا أجور أعلى فقط , أدرك حاجة هؤلاء للتضحية , للصراع والتحدي , و لو من وقت لآخر .. ليست المشكلة في الجهاديين تحديدا , و لا حتى في ترددهم أو نكوصهم أو هروبهم إلى معنى زائف , المشكلة هي في أمثال هتلر و ستالين , أولئك المهووسين بالسلطة الذين يستطيعون أن يتلاعبوا بهم و بنا عن طريقهم , ليجعلوا منهم مادة لشموليات قادمة

102 هل أعجبتك المقالة 103
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA، وتسري سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بغوغل.
*يستخدم لمنع الارسال الآلي