بالحمصي الفظيع.. المناعة والممانعة والفساد!

كمرض جماعي عشش ضمن شرائح واسعة منهم، عربش "أيدز" الفساد على أسلوب حياة السوريين اليومية بفعل عقود من نقص المناعة الذي اكتسبوه مع تراكم ممارسات بدأت بسرقة بيضة ولم تنتهِ بأكل البيضة وقشرتها!
فلم يكن مستغربا أن "تتبوّأ" سوريا "الأسد" مركزا متقدما بين العشرة الأوائل في الفساد بين دول العالم، بل المفاجأة بألا "تتبوأ" بعد عقود من تركمات الخطأ والخطيئة.
ولأنني وجيلي من منجزات "الحركة التصحيحية المجيدة"، فقد عايشت الفساد ومكافحته، لأكتشف أن ما حوّل الفساد إلى إفساد حرف واحد فقط -لعنه الله- أحال مكافحة الفساد إلى مكافأة الفساد!
وكم من مثال عن فاسد كوفئ على فساده بالارتقاء إلى مناصب أعلى حتى صار بمرتبة مُفسد.
أما من اكتسب مناعة ضد فسادهم، فلن يعدم الممانعون وسيلة لمقاومته بأساليب ليس أفظعها الانتحار بثلاث رصاصات، أو تضييق الطريق على مجرى دمائه وصولا إلى الجلطة، وقد يكون النفي عقوبة المحظوظين من أصحاب المناعة والقناعة ضد الفساد والفاسدين!
لن أتحدث هنا عن محاضرة حضرتها عن الفساد، حُشد لها -كالعادة- طلاب وأساتذة في إحدى الجامعات، ضمن حملة ترويج للمكافح الأول ضد الفساد وأهله خلال النصف الأول من عقد التوريث الخالي من الفساد، ونال الفساد في "الكونغو" حصة الأسد من حديث المحاضر والحضور.
لكن سأسوق في هذا المقام قصة أحد "الدون كيشوتات" السوريين، الذي حاول محاربة طواحين الفساد، وهو الأستاذ "محمود الصالح دار"،عندما تسنّم منصباً هاماً في القطاع العام, وبدل أن يضع سلّمه الوظيفي بالطول ليتعمشق درجاته عمودياً, فضّل أن يحمل السلم بالعرض لكي ينشر مبادرته أفقياً.
و من سوء حظ الفساد والفاسدين أن سلّم الأستاذ محمود كان عريضاَ جداً لدرجة أنه يحتاج إلى أوتستراد من النموذج الخليجي ليتسع له في رحلته إلى مكافحة الفساد.
كانت الأسئلة المملة والنصائح الممجوجة تحاصره من كل حدب وصوب, وتخترق جدار صوته الجهوري وتشوه الصورة الجميلة التي تعبت مخيلته في رسمها, ولكنه لم يعر بالاً لأحد، وأدار ظهره لعبارات أصابته بمتلازمة القرف من قبيل (ليش شايل السلم بالعرض) و(ضع راسك بين الرؤوس وقل يا قطاع عام الرؤوس) و(حلال على الشاطر). وهكذا لم يسلم أصدقاؤه, قبل أعدائه من الاصطدام بسلّم المكافحة.
وفي خطوة غير مسبوقة أراد الأستاذ محمود استخدام أسلحة مكافحة الفساد الشامل (المحظورة محلياً و دولياً) ممنّياً النفس بالقضاء على هذه الآفة, ففضل البدء بالمبيدات المحلية, فكانت النتيجة عكسية تماماً, كما لو أن في هذه المبيدات هرمونات تبث الانتعاش في مفاصل الفساد, فما كان أمام المكافح العنيد العتيد إلا أن يلجأ إلى إحدى وسائل الفساد ويحضر المبيدات المهربة ذات التركيز العالي, إلا أن المفاجأة الكبرى تجلّت بأن التركيز بكل مستوياته قد خرّ ساجداً ليفقد مفعوله أمام جبابرة الفساد وعتاة الإفساد, والسبب كما أظهرت نتائج التحاليل أن هؤلاء اكتسبوا مناعة ضد كل أنواع المبيدات، ورغم أن بال الأستاذ محمود كان أطول وأوسع من سلّمه العريض، غير أنه رفع الراية البيضاء معتبراً الفساد نوعاً من أنواع القضاء والقدر فلا رادَّ له الا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولأنه أخذ عهداً على نفسه منذ بداية حملة المكافحة (أنا أو الفساد) ولأن عزّة نفسه لم تسمح له باستسهال الهزيمة قرر المكافح البطل الانتحار, و لشدة تعلّقه بالوطن أراد أن يحقق أمنيته بالموت مسموماً بأحد أنواع السموم من فخر الصناعة الوطنية التي تتخذ "أسانس" لها مادة مُجرّبة في كبرى جرائم القتل في التاريخ العربي من زنوبيا إلى كليوباترا, فابتلع جرعة منها كفيلة بقتل ديناصور, لكنه فوجىء بأنه لم يمت ليس لأنه أقوى من الديناصور طبعا, ولكن لسوء التركيز بصناعة السم المغشوش.
وهنا لم يكتفِ الأستاذ محمود المتهم بماركسيته بالإنابة إلى الصواب والإيمان بوجود مدبّر لشؤون العباد يحميهم من الفساد، بل أكرمَ لحيته وحفّ الشوارب، واقتنع الرجل بأن له بقية ماء ولم تحن ساعته بعد، ليتابع حياته معتكفا شاكرا الفساد الذي كان سببا في هدايته بما قد يمهّد له الطريق إلى الجنة....!
فهلّا لاحظتم كرم الفساد الذي لم يكتفِ بالعفو، رغم المقدرة، عن ألدِّ أعدائه وأعتى مكافحيه، بل هداه وأبعده عن سوء السبيل بعد عناد طويل؟!
عاصي بن الميماس
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية