أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الولادة من الخاصرة تنصيب الخرافة..!... فراس النجار

من المسلسل

رغم ما تثيره العلاقة، بين أجناس الفنون والآداب وبين الواقع المحايد، من جدل قد يكتسي أحياناً سمة فلسفية أو ميتافيزيقية.. وبرغم تنوع وتباين أطروحات المذاهب الفكرية والنقدية بشأنها، فإنه من شبه المتفق عليه أن حضور الواقع ولو نسبياً في الفنون والآداب له طبيعة عضوية، بمعنى أن غيابه بشكل تام عن أي عمل سيطيح بالصفة الفنية ويحوله إلى ضرب من الهذيان. على أن شكل هذا الحضور أو الاستحضار وطريقة التعاطي معه ومستويات التركيز هي مما يؤثر في نوعية وتصنيف العمل على أساس فني بين واقعي أو سريالي أو رمزي... كما الاقتطاع الانتقائي منه قد يدل على موقف أيديولوجي أو سياسي مضمر. على أن الأعمال التي تتمتع بسوية فنية عالية هي التي تتمثل من الواقع لتعيد إنتاجه ضمن بنية يصعب فيها الفصل بينه وبين الفني الخالص.

في الجزء الثالث من مسلسل (الولادة من الخاصرة – منبر الموتى)، كتبه سامر رضوان وأخرجه سيف الدين السبيعي، يُطرح الواقع السوري على نحو يثير كثيراً من الغموض والجدل. فأي فهم للواقع الموضوعي المجرد قدمه المسلسل؟ وأي اختيارات تم اقتطاعها منه؟ وهي اختيارات تدل ولو بشكل موارب خفي على ميل وتوجه كامنين خلف رؤيته..!

بداية يجدر بنا التنبه إلى أن الواقع المجرد عموماً هو واحد لا يختلف فيه اثنان يتمتعان بحواس طبيعية وعقل سليم. فواقعة، كحادث دهس سيارة لطفل مثلاً، مستقلة مجردة، يقع الخلاف والاختلاف في عملية امتلاكها معرفياً. ففي بناء الحدث يتم الاقتطاع من عناصرها، والتركيز على جزئيات وإهمال أخرى، بتحليل وإعادة تركيب يختلف من شخص إلى آخر. وعلى ذلك قد نستمع إلى روايات (أحداث) بقدر الرواة مع أن الواقعة واحدة.. فمن يسرد الواقعة في سردية حدث عن استهتار المترفين بأرواح البسطاء والكادحين، إلى من يسردها على أساس من فساد الدولة العام ومنه قطاع شرطة المرور أو الجهات القائمة على إنشاء الطرق، إلى ضريبة التمادي في نزعة اقتناء ثمرات الصناعة والتطور العلمي على حساب الطبيعة والبيئة... الخ. ولا يخفى أنه كثيراً ما يكمن خلف كل حدثٍ مسبقٌ أيديولوجي يركّب الحدث من الواقعة المجردة.

يختار المسلسل من واقع سوريا منذ آذار 2011 جملة من الوقائع. فالزمن الواقعي، كما الدرامي، يبدأ من أحوال حي المساكن الذي يعاني الأهالي فيه من فساد الإدارة الحكومية في صور شتى منها الاستملاكات الجائرة والتهميش، فيلجؤون إلى المظاهرات السلمية -وهو ما يعيد إلى الأذهان حمص (مدينة الكاتب)، التي شهدت مظاهرات لأول مرة في أواخر 2007 نددت بقرارات استملاك غير دستورية، وطالب بعضها بإسقاط المحافظ- ويختار أيضاً جملة من العلاقات بين أفراد من داخل السلطة ومن خارجها، ضباط مخابرات واسعي السطوة والنفوذ مع فاسدين وبسطاء ثم لاحقاً بعض المحسوبين على الثورة وقادة مجموعات التشبيح! ويُلاحظ تصويره لأجهزة الأمن والمخابرات كبؤر فاسدة عموماً، تتجمع في ممارساتها كل ألوان السادية والوحشية، إضافة إلى نشاطات أغلب ضباطها من استغلال للنفوذ واستهتار بالقوانين والأنظمة لتحقيق ثروات هائلة. يتحول الحراك من السلمية إلى أول أشكال التسلح مع إطلاق عناصر الأمن النار على المتظاهرين السلميين من أهالي حي المساكن المطالبين بإطلاق سراح زملائهم المعتقلين -في مقاربة جلية للأحداث الأولى في درعا آذار 2011-، أقول الحراك بحسب المسلسل وليس الثورة كما سنرى..! في المحصلة تتحمل الأجهزة الأمنية المسؤولية الكاملة عن الرزايا والمفاسد التي آلت إليها الأحوال، بينما في الواقع السوري النظام هو من أوجد تلك الأجهزة وهو من أطلق يدها في المجتمع والدولة وهذا من الوقائع التي أهملها قصداً.

يُلاحظ أن بناء الشخصيات الدرامية عموماً يوصم بالنمطية الثنائية. فالمقدم رؤف السادي يقابله المقدم فايز الإنساني، أبو نيبال المجرم الشبيح يقابله جابر المواطن الطيب، مهران الثائر المزيف المشبوه يقابل أبا الزين الناشط الثائر النزيه الذي دُفع إلى حمل السلاح.. هذه الثنائية، على أساس الأسود الشرير المحض أو الأبيض الخيّر المحض، تتناقض مع الواقع الحياتي حيث المجال الأكبر للرمادي والمختلط لأي شخصية إنسانية. ولعلها تنم عن إلحاح في تقديم صياغة بعينها للواقع.. ومن اللافت أن المسلسل وعلى امتداد حلقاته قد حفل بشخصيات كثيرة، لا سيما من أهالي الحي، قد مرت مروراً عابراً، حتى ليصعب على المتابع تذكرها. وهذا مما نتج عن الشرخ بين المستوى الواقعي وبين المستوى الدرامي. فمن المشاهد ما اقترب من الواقعية التسجيلية وبعضها مما يصح اعتباره وثائقياً وإن بصورة لوحات تمثيلية..
ربما جسد المسلسل كثيراً من وقائع القمع والفساد. لكن العبرة تبقى في التركيب النهائي للتفاصيل والوقائع المنتقاة، وفي إخراجها النهائي في صورة الحدث، وهو الامتلاك المعرفي للواقع المحايد الذي يحظى في حالة الفنون والآداب ببعد جمالي.

في الحلقات الأولى كانت مشاهد الجرائم المرتكبة من قبل الأمن ورجال العصابات ضد المواطنين تترى تباعاً. لكن منذ التحول إلى التسليح غابت تلك وتتابعت حتى النهاية مشاهد ضحايا الجيش..! فهل كان هذا شجباً للحراك وإنكاراً لثوريته لصالح تقرير إجرامه على قدم المساواة مع إجرام الأجهزة الأمنية والعصابات..؟
ثمة مشهدان بالغا الدلالة والإيحاء لدرجة يصح معها اعتبار كل منهما مفتاحاً للحدث الذي يقدمه المسلسل. الأول في الحلقة الثانية عشرة، وفيها يظهر المقدم فايز (الفنان ماهر صليبي) في مكتب رئيسه العميد (الفنان فائق عرقسوسي)، وكل منهما من الشخصيات القليلة التي تتحلى بالشرف والوطنية في الأجهزة الأمنية الفاسدة. يخبر الأول الثاني بعزمه على طلب النقل من المخابرات إلى الجيش. وبعد حوار قصير عن الواجب والمسؤولية يتقدم العميد من المقدم ويحييه ثم يعانقه.. فكان عناقاً بين شرفاء وليس بين شريفين..! فصورة رأس النظام (بشار الأسد) كانت بينهما تماماً! وبذلك نعود إلى خرافة طالما رددها بعض أبناء شعبنا قبل الثورة، وما زال كثير من السذج أو أصحاب المقاصد يرددونها رغم كل ما حدث حتى الآن.. فالأسد رئيس رائع وممتاز..! لكن الحاشية أو المخابرات (بحسب المسلسل) هم الفاسدون المنحرفون...!!!
المشهد الثاني كان في النهاية.. فأم رامي (الفنانة نادين)، وهي من الموالاة، تقوم برعاية جريح دون أن تدري أنه عنصر أمن منشق قتل ابنها الجندي الموالي. ثم تحصل المقابلة بينها وبين أم المنشق (الفنانة سمر سامي). تخبرها الأخيرة وتطلب منها الصفح.. وينتهي المسلسل دون نهاية واضحة.. في هذه الرمزية يتضح الحدث تماماً في (الولادة من الخاصرة). فهو حراك سلمي من أجل مطالب مشروعة لكنه تحول إلى أي شيء.. أي شيء غير الثورة! أي شيء مذنب مجرم مدمر فاق الأجهزة الأمنية في إجرامها، وصار يتوجب على المعارضين طلب الصفح والمغفرة من المولاة..!! ومما يؤكد هذا العودة إلى بداية شارة المسلسل، إلى العتبة النصية أي عنوان السيناريو.. (الولادة من الخاصرة – منبر الموتى). الخاصرة دلالة الضعف، والولادة منها ليست إلا موتاً أكيداً، والحراك ككل هو منبر للموتى..!!. كل الثورات رغم كل دمارها وخرابها تُوصف بالولادة والربيع والخصب.. لا أحد يصف ثورة بالموت إلا إن كان ينكر عليها ولو ضمناً ثوريتها..
يقول الكاتب سامر رضوان إنه ليس سوى محاكاة.. ويقول الفنان عبد الحكيم قطيفان إن حوالي 70% من المسلسل حقيقي ومنصف.. ومع احترامنا لهما نقول إن حدث المسلسل خرافة فقدت صلاحيتها منذ أمد طويل.. فهل جاء إحياؤها الآن من باب القناعة الشخصية..؟ أم من باب الموازنة والإمساك بالعصا من المنتصف..؟! سؤال برسم إجابة الكاتب أولاً ثم المخرج وجهة الإنتاج.

(113)    هل أعجبتك المقالة (111)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي