أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الحرية أولاً.... الحرية أخيراً

ربما جميعنا يراقب بقلق ما تجود به مواقع التواصل الإجتماعي من تعبيرات مناهضة للحرية، فهذا يصب جام غضبه على من يتابعون البرنامج الغنائي " آراب آيدول" ويتهمهم بقلة الإحساس ونقص الوطنية لأن وطنهم تحت القصف وأهلهم بين الموت والبؤس والجوع والتشرد وهم يهتمون ببرنامج غنائي سخيف، وذاك يعلق على بوست كتبت صاحبته شيئا من الشعر عبرت فيه بؤسها لفراق من تحب قائلا أنه يستغرب أن تكون كاتبة البوست سورية ويجري في عروقها دم سوري، وإلا فكيف تطاوعها نفسها على كتابة شعر في الغزل بينما دم السوريين يسيل في الشوارع والأطفال يذبحون كالخراف... وثالث يهاجم شخصا لأنه وضع صورة لطبق طعام شهي من إعداد والدته، ويقول أن هناك من لا تهمهم إلا بطونهم بينما لا يجد السوريون ما يأكلون، ورابع يهاجم مشاهدي المسلسلات التركية... وخامس وسادس.... والقائمة تطول.

إلى هؤلاء المناضلين الأشاوس أقول:

لقد خرج الشعب السوري ثائرا في وجه أعتى نظام قمعي مستبد، وذاق ما ذاق من موت وويلات لأجل هدف هو أسمى وأغلى من أي هدف آخر، هدف يعادل حياته وإنسانيته، وهذا الهدف هو "الحرية".

والحرية تعني الحرية بمعناها الواسع، دون أن تكون محصورة في جانب أو مجال، ودون أن تكون مشروطة بشرط أومقيدة بقيد، قيدها وحدّها الوحيد هو حرية الآخرين، وهذه تقنن بتشريعات وأنظمة تكون فوق الجميع ويخضع لها الجميع، وفيما عدا ذلك لا سلطان على الحرية إلا ضمير من يمارسها.

والناس يولدون أحرارا، بإرادة ومشيئة الخالق، فحريتهم ليست منّة من أحد ولا عطاء من أب أو شيخ أو حزب أو مسؤول أو سلطان، ويمكن لكل ذي بصيرة أن يرى ذلك بوضوح في القول الخالد للخليفة الراشدي عمر بن الخطاب "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"

هذا من حيث المبدأ، أما من حيث الواقع، فمعركة السوريين مع نظامهم طالت كثيرا، والمعاناة أكبر من أن توصف، والبؤس والألم فاق كل حدود، والناس أرواح وليست حجارة، ومطلوب منها الصبر والتحمل والصمود، وحتى يتسنى ذلك لا بد من تغذية الروح وإعادة شيء من التوازن إليها عبر التقاط أو إبداع لحظات من السعادة والتسلية الترفيه، وهذا يتم بأساليب وطرق عديدة تختلف بين شخص وآخر، والناس تبدع وتطور أساليبها لتتمكن من العيش والاستمرار، وكل ذلك جيد وإيجابي وأكثر من ضروري، فالعين تعبت من رؤية الدماء ومواكب الشهداء، ولا بأس لو رأت شيئا جميلا، والأذن تعبت من سماع أخبار الموت والبؤس ولا بأس لو سمعت شيئا جميلا.. ذلك يساعد على استمرار الحياة وتحمل مآسيها.

ثم ما المشكلة عندكم ايها الأشاوس؟ وما علاقتكم بهذا الموضوع وبهؤلاء الناس؟ وكيف يكون في الاستماع إلى أغنية أو رؤية برنامج موسيقي أو قرض شيء من الشعر خيانة للثورة وأرواح الشهداء؟

أقول لكم بوضوح أن خيانة الثورة وأرواح الشهداء تكمن فيكم وفي عقولكم التكفيرية الاستبداية وفي طريقتكم العدمية في التفكير، أنتم من يخون الثورة بالنيل من أهم وأنبل أهدافها، الحرية.

دفع الشعب السوري كل هذا الثمن لاستعادة حريته، وأنتم تبدؤون منذ الآن باجتراح الأسباب والذرائع لمصادرتها قبل أن تولد... تتلطون خلف حجج وذرائع تبدو نبيلة ومحقة، أرواح الشهداء، الدم السوري.. لكنكم لا تختلفون قيد أنملة عن النظام المستبد الذي تناضلون لإبعاده، واختلافكم معه إنما في الشكل والمظهر فقط، فهو صادر الحريات تحت ذريعة المعركة والصمود والتصدي والتحرير، وانتم تصادرون الحريات تحت ذريعة الثورة ودماء الشهداء، تختلف الذريعة لكن الهدف واحد والنتيجة واحدة هي مصادرة الحرية، الضحية هي الحرية في كلا الحالتين، وكلاكما مستبد ويختار الأسباب والمبررات لاستبداده..

لست من محبي آراب آيدول ولا من محبي المسلسلات التركية ولا من محبي التلفزيون أساسا، وربما استسخف بيني وبين نفسي من يتابعون مثل هذه البرامج، لكنني مع مبدأ الحرية بكل شراسة، ومع احترام ما يريده الآخرون وما يحبونه وما لا يحبونه، ويسكنني القول العظيم للرجل العظيم فولتير "قد أختلف معك في الرأي، لكنني مستعد أن أدفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عن رأيك" وإذا لم يكن هذا شعارنا جميعا فستذهب كل تضحياتنا مجانا، وسنأخذ سوريا عاجلا أم آجلا إلى استبداد من نوع آخر، استبداد ربما يكون أشد وطأة ولؤما مما هو قائم.

لا تسمحوا أيها السوريون أن يخرج من رحم الثورة استبداد جديد تحت ستار جديد، حتى لو كان حقوق الله، إنها بذور الاستبداد الكامنة، هكذا تبدأ عادة، بدايات صغيرة وخجولة، وبأعذار تبدو مقبولة، فإذا لم تجد من يمنعها أو يقف في وجهها فإنها تنمو وتكبر وتتطور، ثم تستحكم وتتحكم... وكل دكتاتور مستبد ما كان ليصل إلى ما وصل إليه إلا بسبب خنوع الآخرين وتقاعسهم عن ردعه، وكلكم يعرف المثل الشعبي الرائع والمعبر "قالو لفرعون مين فرعنك، قلن ما حدا منعني" إذن لم يمنعه أحد، تلك هي القصة والحكمة، مشروع الفرعنة موجود دائما داخل كل شخص وكل حاكم وكل نظام، إنما قد يصطدم بما يمنعه فيبقى كامنا وقد لا يصطدم فيأخذ مداه ويصبح المجتمع أمام حالة كارثية اسمها فرعون أو نيرون أو هتلر أو ستالين أو الأسد...

نحن في سوريا ندفع غاليا ثمن سماحنا ببناء صرح الاستبداد، ندفع الثمن أرواحا ودماء ذكية، وندفع الثمن بؤسا وفاقة وخوفا وألما، فهل استوعبنا الدرس، وهل سنسمح بظهور استبداد جديد؟ وهل ستذهب أرواح أبنائنا سدى؟ إذن فلنبدأ العمل منذ الآن، بالرد القوي الحاسم على كل من يحاول مصادرة شيء من حريتنا وتحت أي ذريعة كانت، وطنية أو إنسانية أو أخلاقية أو دينية، فحرصنا الشديد على التمسك بحريتنا وحمايتها هي ضمانتنا الأكبر لمستقبل غير ملوث بالاستبداد.

(6)    هل أعجبتك المقالة (6)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي