أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

ضمن مؤتمر "المركز العربي": 80% من العراقيين يرون أنه احتلال... النفط سبب أساسي لكنه ليس الوحيد

تناولت جلستان بحثيتان صباح أمس ضمن مؤتمر "عشر سنوات على احتلال العراق: التداعيات والتأثيرات" الذي يعقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة -تناولت-عدداً من الموضوعات المهمة التي أثرت في المشهد العراقي خلال العقد الماضي.

وقال الباحث يحيى الكبيسي في افتتاحية الجلسة الأولى في اليوم الثاني من المؤتمر والتي كان عنوانها: "المقاومة العراقية ودورها في إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب"، إنّ المقاومة أسست إستراتيجيتها على استهداف العسكريين، ممّا قلّص حجم الخسائر بين المدنيين.

وسلّط الضوء على طبيعة المقاومة العراقية منذ الأسبوع الأول للاحتلال الأميركي، وحلل أهم البيانات والأرقام المرتبطة بأعمال المقاومة وعملياتها الميدانية. 

وأشار إلى دور الفكرة الإسلامية في المقاومة، إذ إنّ مظلّة المقاومة كانت إسلامية حتى عام 2007، ثمّ تراجع الطابع الإسلامي للمقاومة بعد ذلك عندما انفض عنها الكثير من الأتباع غير المؤدلجين.

وعدّ الباحث زهير حامدي، في الورقة الثانية المعنونة: "النفط والطاقة دوافع ما قبل الغزو وما بعده"، النفط سبباً أساسياً لاحتلال العراق، من دون أن يكون السبب الوحيد. وتحدث عن دور الاحتلال الأميركي في توجيه سياسة صناعة النفط في العراق، والتي تولّت الحكومة العراقية الجديدة تنسيقها داخلياً، مشيراً إلى معارضة المجتمع المدني العراقي لكل محاولات الهيمنة الغربية على النفط.

من جهته، أشار الباحث منقذ محمد الداغر في الورقة الثالثة المعنونة: "الرأي العام العراقي: عشر سنوات بعد الاحتلال"، إلى أنّ نتائج استطلاع للرأي أجراه في بداية الاحتلال أكدت أنّ أكثر من 80% من العراقيين كانوا مقتنعين بكون قوات التحالف هي قوات محتلة وليست محرِّرة. كما أكدت نتائج استطلاع آخر أجراه بعد عشر سنوات أنّ الموقف العراقي المجتمعي يرى أنّ ما حصل هو احتلال، وكذلك استهداف للإسلام.

واختتم الباحث لقاء مكي الجلسة بورقة معنونة بـ: "من تداعيات الغزو: صورة العرب عند الغرب"، فأشار إلى الصورة النمطية السلبية السائدة في الغرب عن العرب، وكيف جرى تعميم هذه الصورة من خلال وسائل الإعلام الغربية، وكيف سُحبت هذه الصورة على الإسلام، ثم تطوّرت أخيرًا إلى الربط المباشر بين الإسلام والإرهاب.
أما الجلسة الثانية لليوم الثاني، فقد استهلها الدكتور محمد المسفر بورقته عن: "تداعيات الاحتلال على الوطن العربي"، فأشار إلى التداعيات العسكرية والسياسية والاقتصادية للحرب على العراق، وتوصل إلى نتيجة مفادها اتساع دائرة النفوذ الأميركي في المنطقة من خلال وجود عسكري مخيف، فاحتلال العراق لم يكن فاتحة خير على الأمة العربية، وأحدثت فراغاً إستراتيجياً زاد فيه الوزن النسبي لإيران على حساب دول المنطقة، وأصبحت تركيا مستعدة لاستعادة دورها التاريخي في الإقليم، ما أدى إلى تعزيز الوجود الغربي في المنطقة بطلب من النخب السياسية الحاكمة فيها. ورأى المسفر أنّ الحرب على العراق ولدت فرصاً واحتمالات لوقوع حرب جديدة أشد تدميراً من غزو العراق واحتلاله، وهو ما انعكس في صورة صفقات تسليح ضخمة أبرمتها دول الإقليم، وسط جو محموم من صراعات المصالح الدولية.

وفي الورقة الثانية المعنونة: "الخيارات الإستراتيجية لدول مجلس التعاون الخليجي بعد احتلال العراق"، رأى محمد السعيد إدريس أنّ من أهمّ التداعيات التي نتجت عن غزو العراق واحتلاله فرض معادلة المحاصصة السياسية على مكونات العراق، وتمكين القوى المعارضة الموالية للغزو من السيطرة على النظام الجديد، وهي نتائج شديدة الخطورة -في نظره- على هيكلية الدولة والمجتمع في العراق، وامتدت إلى جوار العراق الإقليمي والخليجي على وجه الخصوص.

وأشار إلى أنّ البعض كان يعتقد أنّ غزو العراق وسقوط صدام حسين سيحقق الأمن في المنطقة، لكن العكس هو الذي حصل، إذ تفجّرت تحديات للأمن في دول مجلس التعاون، مثل دخول الإسلام السياسي وتزايد دور القاعدة والظهور القوي للشيعة سياساً في العراق، وفي بعض دول الخليج، والذين أصبحت لهم مطالب سياسية.

أما الباحث أنطوان شلحت، فقد أشار في ورقته "انعكاسات غزو العراق على القضية الفلسطينية" إلى أنّ الغزو الأميركي للعراق كان بالنسبة إلى إسرائيل، ذروة أخرى في "عهد جديد" يتعلق بتاريخ هذا البلد. وبموجب قراءته التاريخية، سلّط شلحت مزيداً من الضوء على التحليلات التاريخية والأمنية الإسرائيلية التي ترى أنّ العراق دولة مواجهة مع إسرائيل، وأنّ العراق أرسل المرة تلو الأخرى - وفي ظل حكومات متعددة - جيوشاً لمحاربة إسرائيل. 
وباستناده لتقديرات إستراتيجية إسرائيلية، يلفت شلحت الانتباه إلى عوامل كثيرة ارتبطت بالانسحاب الأميركي من العراق، وبقول إن هذه العوامل لا تصب في مصلحة إسرائيل، لعدة اعتبارات، أهمها: تنامي النفوذ الإيراني في العراق، واحتمال تحوّل العراق إلى دولة مصدّرة للإرهاب، إضافة إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة الدولية والإقليمية.

وألقى الدكتور عزمي بشارة، المدير العامّ للمركز في افتتاح المؤتمر محاضرة هذا نصها الكامل:
من حقّنا أن نصف العدوان الأنكلو- أميركي على العراق في عام 2003، بعد حصارٍ تجويعيّ دام أكثر من عقد، بالحدث المفصليّ الذي غيَّر مجرى تاريخ المنطقة، وأثّر في فهمنا للسياسة العالميّة ككلّ. ويمكن للمثقّف الأميركي أو الأوروبيّ أن يختار التعامل مع هذا الموضوع من منطلق تعدّد السرديات في فهم تاريخ هذه الحرب، أو من منطلق نقد الخطاب السياسيّ والإعلاميّ الغربيّ الذي نشر الكذب لتعبئة الرّأي العامّ لدعم التدخّل العسكريّ في بلدٍ يبعد آلاف الأميال، بحججٍ هي افتراءاتٌ كاذبة تُعمي الرّأي العام عن الأسباب الحقيقيّة. إنّه الإعلام نفسه الذي أصبح بإمكانه بعد أعوامٍ أن يعلن جهارًا كذبَ الكذب، أي أن يفنّد بنفسه الادّعاءات التي سبق أن نشرها، ويصحّح نفسه، تحت وطأة الثمن الذي يُدفع بأرواح الجنود الذين أُرسلوا للقتل والموت لأهدافٍ غير الأهداف التي أُعلنت، والتي اقتنعت بها عائلاتهم، أو لم تقتنع بها. جرى ترويج الكذب وما يتلوه من نقد الكذب، ويجري حاليًّا من دون أن يُحاسِب الإعلام نفسه، ومن دون أن يُحاسِب النظام السياسيّ السياسيّين الذين اقترفوا جرائمَ حرب قد تتكرّر مرّاتٍ أخرى في العالم. فمنذ محاكمات نورنمبرغ التي تلت الحرب العالمية الثانية، يُحاسَب على جرائم الحرب المهزومون فيها فقط. ولم تتغيّر هذه القاعدة الإمبرياليّة حتّى بعد إنشاء محكمة الجنايات الدوليّة.

ومن حقّنا نحن المثقّفين والباحثين العرب أن نتساءل، أو للدّقة أن نطرح سؤالين لا يخلو طرحهما من بعض الحدّة. أوّلًا: هل كان الكذب سيهمّ أحدًا لو لم يقاوم الشعب العراقيّ الاحتلال، ولو نجحت المخطّطات التي أوهِم صنّاع القرار - أو أوهموا أنفسهم - بأنّها ستنجح؟ وقد كان وهْمهم تخيُّل ترحيبٍ شعبيّ عراقيّ بالجيوش الغازية، ودولةٍ سوف تقوم من تحت الركام بقيادة معارضة المنفى العراقيّة التي ساهمت في نشر الافتراءات، ثانيًا: هل الجريمة هي الكذب على الرّأي العامّ في أميركا وأوروبا، أم الجريمة هي تدمير بلدٍ والعبث بمكوّناته الاجتماعيّة وكيانه الوطني ونسيجه الاجتماعي وتنصيب قيّمين للحفاظ على الدمار، وفرض دستورٍ يؤطّر الخراب على نحوٍ يصعّب استعادة لحمة الوطن في المستقبل القريب؟

وهناك تساؤل ثالث، لا يدخل طرحه في باب الحقّ بل الواجب، نطرحه على أنفسنا أمّةً وشعوبًا عربيّة، وهو: كيف لنا أن نطرح على الآخرين مسألة محاسبة من أجرموا في حقّ بلدٍ عربيّ شقيق هو العراق، ولا نسأل أنفسنا كيف يصول هؤلاء المجرمون أنفسهم في بلداننا ويجولون؟ فها هم يُستقبلون كما تُستقبل الشخصيات المرموقة، بل وتُدفع لهم مبالغ مقابل أن يُلقوا محاضراتٍ أمام من يَعدُّون أنفسهم نخبًا اقتصاديّة واجتماعيّة، ويرون أنَّ من المدنيّة التّرفع على فقراء شعوبهم وبسطائهم، ومن التحضّر أن يجلسوا مع من أجرموا في حقّ شعوبهم، مثل توني بلير، وجورج بوش، ودونالد رامسفيلد، ودنيس روس، وتشيني، وغيرهم. ومن سخرية التاريخ أن يُنصّب بعض مجرمي الحرب هؤلاء وسطاءَ سلامٍ بيننا وبين من يحتلّ أرضنا في فلسطين، وأن يعيَّن بلير مستشارًا لدى بعض الحكومات العربيّة. ومن المفارقات أنّ بلير هذا نفسه - الذي تطالب فئاتٌ مستنيرة في الرّأي العامّ الإنكليزيّ بمحاكمته في بريطانيا - هو مبعوث الرباعيّة الدوليّة، ويعيّن مستشارًا لحكومات عربيّة، ومنها حكومة ليبيا السّابقة. وكان بلير هذا قد اقترح على بوش أن تكون الحرب بعد أفغانستان على ليبيا وليس العراق.

هي مفارقاتٌ عجيبةٌ نستعيدها في صبيحة يوم ذكرى هذا الحدث الجلل الذي ترك أثرًا لا يُمحى في وجداننا، ألا وهو دخول الجيش الأميركي إلى بغداد الرشيد(9 نيسان / أبريل 2003) التي كانت عاصمة العرب في عصرهم الذهبيّ.

لقد حاولت الولايات المتّحدة بغزو العراق، أن تخرجَ من متلازمة فيتنام من جهة، وتحصد نتائج انهيار نظام القطبين ونشوء نظام القطب الواحد من جهةٍ أخرى، وذلك بضربةٍ واحدة تلتقي فيها مع الأجندات الإسرائيليّة وتجرّب فيها تكنولوجيّات عسكريّة جديدة تمكّنها من الوجود في مناطقَ مختلفة في العالم في الوقت ذاته وبعددٍ قليل من الجنود، كما يليق بالإمبراطوريات، وكما اعتقد رامسفيلد في البداية. وتتلخّص التكنولوجيات الجديدة التي يسمح بتطويرها أكبر اقتصاد في العالم وأكبر فجوة في الميزانيّة العسكريّة عرفها تاريخ الإمبراطوريات في التاريخ بين دولةٍ ومجمل الدّول الأخرى، بتقليل عدد الجنود المساهمين مباشرةً في الحرب والقدرة على نقلهم بسرعة من مكانٍ إلى آخر، مقرونة بقدرة تدميريّة هائلة عن بعد، تسمح بتقليل عدد ضحايا الدّولة المعتدية، وإن كان ثمن ذلك زيادة عدد ضحايا الشعب المعتدى عليه.

فماذا كانت النتيجة؟

أثبت العراقيّون والعرب أنّه لا يمكن تحقيق أحلام رامسفيلد باستعادة أيّامٍ سيطرت فيها فرقتان عسكريّتان بريطانيّتان على الهند كلّها طوال عقود.

لقد اجتُرِحت أشكالٌ من المقاومة غير معروفة سابقًا، وتمثّلت في أساليب الحرب غير المتكافئة والتنظيم في جماعات صغيرة منتشرة يصعب ضرب رأسها أو تسلسلها القيادي، لأنّه ببساطة غير موجود. وحاولت المقاومة العراقيّة تجاوز الفجوة التكنولوجيّة بالعمل الغزير بالتضحيات الذي يسمّيه البعض انتحاريًّا والبعض الآخر استشهاديًّا، بحسب وجهة النظر. كما كانت النتيجة نشوء متلازمة العراق بدل متلازمة فيتنام. وانتقلت هوليوود من إنتاج الأفلام عن الهند الصينيّة إلى إنتاج الأفلام عن العراق، وإلى الاستعانة بكلّ ما في المخزون الاستشراقي والاستعماري من صورٍ عنصريّة ضدّ المسلمين لرسم صورة المسلم العربيّ الإرهابيّ.

لقد كان المحافظون الأميركيّون في السابق يتجنّبون عبور المحيط للتدخّل في الدّول الأخرى، وخاضوا نقاشاتٍ حادّة في المؤسّسة الأميركيّة منذ التدخّل في أميركا اللاتينيّة والفلبين في القرن التاسع عشر، إلى غاية التدخّل في فيتنام، ومالوا عمومًا إلى الاستعانة بحلفاء يحكمون في تلك الدول والمجتمعات التي يريدون التدخّل فيها، من زعامات تقليديّة وغيرها. وقد تشابهوا في ذلك مع النموذج الاستعماريّ الإنكليزيّ أكثر من النموذج الفرنسيّ الذي يتدخّل في نسيج المجتمعات ويحاول تغييرها من داخلها في عمليّة إعادة صوغ استعمارية لفكرة تصدير قيم الثّورة الفرنسيّة. ثمّ نشأت فئةُ المحافظين الجدد التي أبقت على قيم المحافظين المتعلّقة بما يسمّونه نمط الحياة الأميركيّ، ولكنهم اعتقدوا أنّ مرحلة انهيار الاتّحاد السوفييتي تحتّم على أميركا تغيير طبيعة حلفائها والتّدخل في بنية أنظمتهم السياسيّة والاجتماعيّة . لقد كانت سمة المحافظين الجدد تبني الأهداف المحافظة نفسها من دون الحذر والتروي اللذينِ ميّزا الفكر المحافظ، إنما بإضافة التهور والغطرسة اللذين يجمعان - على نحو مدهش - بين التذاكي والغباء.

ومع فشل المحافظين الجدد في هذه المهمّة، التي رفعت شعار "الديمقراطية وبناء الأمة"، وصل إلى الحكم لبراليّون أميركيّون معارضون للتدخل في الخارج، وعادوا إلى الموقف المحافظ الأصلي الذي يعتمد في السياسة الإمبرياليّة الأميركيّة على ما هو قائم، سواء أكان نظامًا تقليديًّا حليفًا، أو ما ينتج عن الإطاحة به بفعل ثورة لا يتدخلون فيها، كما يجري ذلك حاليا في الوطن العربيّ.

قليلٌ من المحللين العارفين بالشّأن الأميركي يلاحظون أنَّ الليبراليّين الذين جاؤوا إلى الحكم في الولايات المتحدة بعد هزيمة نهج جورج بوش الابن بتذكرة هي رفض التدخل العسكري على النموذج العراقيّ، يتبنون عمليًّا سياسات ليبراليّة داخل الولايات المتحدة، وسياسات محافظة خارجها. وتعتمد هذه على التحالف مع القوى التي تخدم مصالحها، وتهميش متجدّد لقضايا حقوق المواطن والإنسان في إستراتيجيتها تجاه تلك الدّول.

لقد كان شعار المحافظين الجدد هو تصدير الديمقراطية، ولكن ما من حدث واحد أعاق تطور الديمقراطية في المشرق العربيّ كما أعاقها احتلال العراق. فقد نفّر الشعوب من التغيير ومن الاصطفاف الطائفي الذي يتبعه، ومن فساد النخب المتحالفة مع المستعمرين، إلى درجة جعلت فئاتٍ واسعة في المشرق تنفر من التغيير وتخشاه.

من ناحيتنا كعرب، يصعُب حصر معنى احتلال العراق في كلمةٍ افتتاحيّة أو حتى في مؤتمرٍ كامل، وسنحتاج إلى فترةٍ طويلة لتلخيص الأخطاء السياسيّة في صنع القرار التي تقود إلى مواجهات خاسرة سلفًا، أو تمنع صانع القرار من تجنّب مثل تلك المواجهات، وهذا أمرٌ يكاد يكون محايدًا أيديولوجيًّا، أي متعلّقا عمومًا ببنية الأنظمة وعمليّة صنع القرار فيها في منطقتنا العربيّة، سواء كانت أنظمة راديكالية أو محافظة. وهذا من الأمور التي جعلتنا في تلك الأيام نفكّر بمحاسن صنع القرار في النظام الديمقراطيّ.

كما أرى من واجبي في مؤتمرٍ أكاديميٍّ كهذا أن أؤكد أنّ الجريمة التي ارّتُكبت في حق الشعب العراقيّ والإنسانيّة عمومًا لم تُبحث بما فيه الكفاية، لا من حيث التوثيق والتأريخ وكشف الحقائق، ولا من حيث البنى والآليات. وهذه أمورٌ لا بدّ أن نتجاوز فيها الكثير الكثير من الكلام على وجاهته، وصولًا إلى البحث العلميّ المنهجيّ لإنتاج مصادر علميّة موثوقة للباحثين ولشعوبنا عن الجريمة الكبرى التي ارّتُكبت ولا تزال ترتكب في العراق، وما زالت جوانبُ كثيرةٌ منها مخفيّة. فذلك من واجبنا تجاه الشعب العراقيّ.

هناك عدّة أمورٍ تراودني وأنا أتحدث عن هذا الحدث الجسيم، وأبرزها: أولًا أنّنا اكتشفنا مجدّدًا ما كنّا نعرفه، ولكننا لسبب ما متعلق برومانسية الانتماء لا نتوقّف عن إبداء الدّهشة تجاهه، وهو زيف فكرة التضامن العربيّ عند الأنظمة العربيّة التي كانت قائمة عندما بدأ التحضير للعدوان على العراق، وأنّ هذه الأنظمة التي تتشدّق بالعروبة حين يحلو لها، وتهزأ من العروبة حين تشاء، تتآمر مع الولايات المتحدة مباشرة، وتتواطأ حتى مع إسرائيل إذا لزم ذلك، ضد دولةٍ عربيّةٍ شقيقة يتبادل زعماؤها مع زعمائها القبلات وعبارات التبجيل والتفخيم في مؤتمرات القمّة. ثانيًا، أنّ الشعوب العربيّة ترفض الاحتلال الأجنبيّ لبلداننا، ومهما اشتد الخلاف في المواقف السياسيّة فإنّ الشعوب تختلف عن الأنظمة في مسألة الحساسيّة تجاه التضامن العربيّ، والاحتلال الأجنبيّ، وقضية فلسطين. ثالثًا، أنّ الفساد ليس سمةَ الاستبداد حصرًا وبالضرورة، فقد يتغلغل في صفوف معارضيه إذا لم يجمعهم احترام مبادئ الديمقراطية وحكم القانون، وإذا أصابت فكرة التبعية للخارج أخلاقياتهم السياسيّة. رابعا، إنّ استهداف الهويّة العربيّة لشعوبنا في المشرق العربيّ يُقصَد به ضرب التماسك الاجتماعيّ social cohesion لمجتمعاتنا ذات البنية الطائفيّة والإثنيّة المعقّدة، والمتفاعلة في وعاء الثّقافة واللغة العربيّتين. لقد اقترفت الأنظمة القوميّة الكثير من السياسات الخاطئة تجاه أبناء أوطانهم من غير العرب الذين يرفضون الاندماج في العروبة قوميًّا. ولكن القضية لم تعد الاعتراف بحقوق غير العرب في المنطقة، وإنما أصبحت المشكلة هي عدم الاعتراف بوجود عرب منذ أن قرّر المستشرقون - سواء كانوا صهيونييّن أو متصهينين - أن يروا المنطقة من زاوية نظر إسرائيليّة واستعماريّة، إذ يفضّل من زاوية النظر هذه أن لا يكون العرب موجودين، وأن توجد في مقابل إسرائيل مجموعات من الطوائف والمذاهب والعشائر والإثنيات والجماعات غير المنظّمة.

وإن أفدحَ تواطؤٍ عربيّ مع الاستعمار والصهيونيّة، يكمن في التصرف كطوائف سياسيّة، وفي تسييس المذاهب. هذا شأن بُنيويّ أؤكده بغض النظر عن نوايا الفاعلين.

لم تعد المشكلة الاعتراف بحقوق غير العرب، كالحقوق القوميّة للأكراد مثلًا، وإنما المشكلة هي الرّغبة في تفكيك الأغلبيّة العربيّة وتحويلها إلى طوائف لينشأ وضعٌ توجد فيه قوميّة واحدة في كل بلد عربيّ هي فقط القوميّة غير العربيّة، أمّا العرب بموجب هذا المنطق فليسوا قوميّة ولا شعبًا بل طوائف. ومن هنا أقيمت منطقةٌ ذات سماتٍ قوميّة في شمال العراق، أما في بقية العراق حيث تعيش الأغلبيّة العربيّة، فيقام نظامٌ طائفيّ لا يجري الحديث فيه عن غالبية سكان العراق الذين تجمعهم الهويّة العربيّة، وتجمعهم المواطنة المشتركة مع الأكراد، وإنما عمّا يفرّقهم من تسييس للتنوع الطائفيّ يثبّته دستورٌ طائفيّ يوضَع بوحيٍ من مستشارين أميركيّين. ويزيدهم فرقةً تدخل الدّول الخارجيّة التي تحتفظ لنفسها بسّمة "القوميّة" وتتعامل مع العرب كطوائف يفترض أن تواليها لينقسم العرب بين طوائف يفترض أن توالي دولةً خارجيّة مثل إيران، فيُرَدَّ على ذلك بموالاة البقية - التي لم تر نفسها كطائفة في يوم من الأيام - لتركيا، التي لا يُنظر إليها كما ترى هي نفسها دولةً قوميّة، وإنما يُنظَر إليها كدولة سنّية.

إن لم تكن هذه محاولةً لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، فلا أدري كيف تبدو محاولةٌ كهذه. وليس لديّ شكّ في أنّ محاولةً شبيهةً تجري في سوريّة، ولا بدَّ من التصدّي لها وتصحيح المسار إلى وضعه الطبيعيّ والعادي، وإلا فسوف لن يتوقّف الأمر عند سوريّة بل سيشمل المشرق العربيّ كله.

وحين أستخدم عبارة "المسار العاديّ أو الطبيعي"، لا أقصد الأيديولوجيّة القوميّة، فأنا لا أتعامل مع القوميّة كأيديولوجيّة، وإنما أتعامل معها كهوية ثقافيّة ضروريّة لتماسك الأكثريّة العربيّة في المشرق العربيّ لكي لا ينفرط عقدها إلى طوائف مسيّسة، أو مذاهب يجري تسييسها لتقسيم المنطقة إلى محاصّة طائفيّة يصبح معها التحوّل الديمقراطي مستحيلًا، لأن المحاصّة الطائفيّة سيرٌ دائمٌ على حافّة الحرب الأهليّة. ولا يجوز خلطها بالتّعدديّة الحزبيّة في النظام الديمقراطيّ.

نحن أيّها الإخوة نعيش في خضمّ عمليّة تحوّلٍ تساهم فيها الدول التي مرّت بالثّورات في العامين الأخيرين، وتلك التي لم تشهد ثورات. وهي عمليّة تحوّل ديمقراطيّ قد تستغرق عقدًا من الزمن أو أكثر. والديمقراطيّة تقوم على المواطنة المتساوية التي تجمع المواطنين في هويّة وطنيّة، بغض النّظر عن دياناتهم وقوميّتهم، ويُفترَض أن تجمع العربيّ والكرديّ، كما تجمع المسلم والمسيحيّ، والشيعيّ والسنيّ. ولكن هذه المواطنة المشتركة المتساوية لا تمنع من أن تحتفظ الأكثريّة القوميّة والأقلّية القوميّة بهويتها، بل العكس. إنّ هذه الهويّة العربيّةُ المشتركة من أهمّ دعائم المجتمع الديمقراطيّ لأنّها تحافظ على التماسك الاجتماعيّ أثناء ممارسة التعدديّة السياسيّة. أما تحلُّل الدّولة من هذه الهوية، وتأكيدها على الانتماءات الطائفيّة صلةً بين المواطن والدّولة، فإنّها تذهب بالمجتمع نحو محاصّة طائفيّة هي نوعٌ من التعايش الذي قد يتحوّل إلى احتراب وخصومةٍ في أيّ وقت. وقد علّمتنا تجربةُ العراق الكثير من هذا، ونأمل أن تستفيد الثورة السوريّة من الدّرس.

إنّ أيّ نضال ضدّ تبعات العدوان على العراق هو نضالٌ يمرّ عبر التأكيد على المواطنة المشتركة المتساوية التي تتشكّل منها الوطنيّة والتي يقوم عليها رفضُ الولاء المذهبيّ للقوى الخارجيّة، والتأكيد على الهوية العربيّة لغالبيّة سكّان العراق العرب والتي تجمعُ العراق بمحيطه العربيّ، كما يمر عبر مكافحة النظام الطائفيّ وقبول التعدّدية المذهبيّة والطائفيّة في مجتمعاتنا في الوقت ذاته.

عشر سنوات على احتلال العراق 


ينظمه "مركز العربي"... انطلاق مؤتمر "عشر سنوات على احتلال العراق" في الدوحة
2013-04-11
انطلقت في العاصمة القطرية الدوحة أمس الأربعاء، أعمال مؤتمر "عشر سنوات على احتلال العراق" الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لمدة يومين، بحضور نخبة من الأكاديميين والسياسيين والمسؤولين الدوليين...     التفاصيل ..

المركز العربي يعقد مؤتمراً علمياً دولياً بمناسبة "الذكرى العاشرة لاحتلال العراق"
2013-04-09
مع حلول الذكرى العاشرة لاحتلال العراق، يعقد المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات بين العاشر والثاني عشر من نيسان/ أبريل 2013، مؤتمرًا علميًّا دوليًّا تحضره نخبةٌ رفيعة المستوى من الأكاديميّين والباحثين، تحت عنوان...     التفاصيل ..

زمان الوصل
(13)    هل أعجبتك المقالة (12)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي