أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

فسيفساء الاثنيات: قوة إيران أمس، ومقتلها اليوم ... خالد وليد محمود

في الوقت الذي تتركز فيه أنظار المراقبين على احتدام الخلافات بين طهران والمجتمع الدولي حول الملف النووي الإيراني الذي قد يفضي الى مواجهة عسكرية محتملة بين الطرفين، تحاول المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج أن تؤدي دوراً في استثمار الاستياء الدولي ازاء نظام طهران وتكثف جهودها لمحاولة الإطاحة به بطرح نفسها بديلاً له.
وضمن هذا المشهد يبدو أن تحرك القوميات في ايران قد يكون إحدى ورقات الضغط المهمة جداً بيد الغرب لاسقاط نظام الجمهورية الاسلامية أو إضعافه والضغط عليه على خلفية برنامجه النووي.
ففي الفترة الأخيرة، حصلت في معظم المدن الأذريَّة اضطرابات من العيار الثقيل وصلت حمم نيرانها الى طهران العاصمة وعدة مدن إيرانية تحتضن مواطنين من أصول أذرية، وهذا ما اثلج صدر الإدارة الأمريكية التي عقَّب الناطقون باسمها تضامناً مع هذه المظاهرات داعين لدعمها وتقديم يد العون لها.
وكما هو معروف فإن التغيير الجيو - سياسي الذي حدث ويحدث في الشرق الاوسط، بعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003، والذي اوصل مجموعات كانت "مضطهدة" سابقاً مثل اكراد وشيعة العراق الى مراكز السلطة، بدأ يصل الى الاقليات الايرانية التي تطالب بتمثيل اكبر لحقوقها السياسية والثقافية.
وكان "مجلس القوميات الايرانية" المؤلَّف من مجموعات معارضة في الخارج تمثل الاكراد والعرب، والأذريين، والتركمان والبلوش قد دعا في بيان له بداية عام 2005 الى الفيدرالية في ايران حسب التوزيع العرقي.
ويُذكر أن "الفرس" في إيران يمثلون الاغلبية بفارق ضئيل من مجموعة سكان يبلغ تعدادها 70 مليوناً، يليهم الأذريون الذين يقدر عددهم بما بين 15 الى 20 مليونا وهم كالفرس، من الشيعة.
ويمثل الاكراد ثالث اكبر تجمع اثني ويقدر عددهم بما بين 4 الى 7 ملايين نسمة واغلبهم من السنَّة.
ويقدر عدد البلوش (اغلبيتهم من السنة) بما بين المليون الى الاربعة ملايين، والعرب ـ وهم من الشيعة ـ يتراوح عددهم بما بين المليون الى الثلاثة ملايين، اما التركمان فإنهم من السنّة بأغلبيتهم ويقدر عددهم بما بين المليون الى المليوني نسمة.
وفي ايران طوائف وأقليات صغيرة، كالبهائيين، والأرمن، والزرادشتيين واليهود.
إن تحرك البلوش هو الاقوى والأشرس والأكثر تواصلاً. ومنذ عام 2003 برزت بينهم مجموعة "جند الله" التي قامت عام 2005 بخطف عدد من الجنود ورجال الامن الايرانيين على الحدود الايرانية ـ الباكستانية، وهاجمت العام الماضي باصاً ينقل عدداً من "الحرس الثوري" خارج زاهدان (عاصمة بلوشستان) فقتلت 11 منهم وأوقعت عدداً من الجرحى.
وفي الاشهر الاخيرة تجدَّدت المواجهات ما بين قوات الامن الايرانية والبلوش، وحسب وسائل الاعلام الايرانية قتل الامن الايراني 12 مقاتلاً ينتمون الى "جند الله" وصادر مستودعاً للاسلحة فيه رشاشات وذخائر وصواعق ومتفجرات ووسائل اتصال.. وكان ذلك في مدينة "ايران شهر".
وفي اليوم الاخير من العام 2007 اعدمت السلطات الايرانية في سجن زاهدان رجلين من "البلوش" بتهمة السرقات المسلحة والتهريب، ويتهم البلوش طهران بأنها تتعقب العناصر المعارضة في صفوفهم بتهم اجرامية مختلفة.
وقد تكون المسألة الوطنية البلوشية هي الاقدم بين الاثنيات في ايران التي تطالب بحقوقها والسماح لها بالمشاركة في السلطة. ويعيش البلوش في الجنوب الشرقي من ايران في محافظة "سيستان - بلوشستان"، وهي الافقر ما بين المحافظات الايرانية.
ويعتبر البلوش في ايران انفسهم جزءاً او تتمة للبلوش في باكستان (ما بين 4 الى 8 ملايين نسمة) وكذلك للبلوش في افغانستان. ويشعر البلوش جميعهم بأن ظلماً تاريخياً وقع عليهم بسبب اضطهاد "القوى الامبريالية" لهم، مما جعلهم موزَّعين من دون دولة تحمل اسمهم.
ويرى البلوش ان توحيد شعبهم في دولة "بلوشستان الكبرى" المستقلة، هو من حقوقهم التاريخية.
أما عرب الأحواز والذين دأبت الحكومات الإيرانية المتعاقبة على وصفهم بـ"عرب اللسان" فقد كانوا ومازالوا على الدوام عرضة لسياسات التمييز العنصري والطائفي .
وكما هو معروف، ساهم عرب الأحواز بشكل رئيسي في إسقاط النظام البهلوي وانتصار الثورة الإسلامية.
ويعيش العرب في خوزستان (الأحواز) حيث اغلب الثروة النفطية الايرانية، لكن تبقى هذه المنطقة الأقل تنمية، وتقول طهران ان هذا عائد الى ان خوزستان كانت خط المواجهة الاول في الحرب العراقية ـ الايرانية.
وعرب الاحواز يردون بأنها سياسة فارسية مقصودة ضدهم كي تبقى منطقتهم متخلفة وفقيرة.
وكانت المنطقة مسرحاً لعمليات ضد اهداف حكومية، وتتهم طهران عناصر من مجموعات مثل "حزب النهضة العربي الاحوازي" بأنهم يعملون بتوصيات من الاستخبارات الاميركية والبريطانية.
وعلى الرغم من ان اغلب الاحوازيين ينطقون بالفارسية، الا انهم يحافظون على علاقات قبلية وثقافية وثيقة مع الشيعة العرب في جنوب العراق.
اما منطقة أذربيجان فانها تتململ منذ عام 2006، عندما نشرت احدى الصحف الايرانية كاريكاتيراً شبه الأذريين بـ"الصراصير". والأذريون يطالبون بحقوق اوسع ثقافية واقتصادية وسياسية وهم على علاقات قوية مع الناطقين باللغة التركية (لغتهم الممنوعون من استعمالها) في القوقاز وآسيا الوسطى، وخصوصاً مع أذربيجان الدولة.
وفي بداية هذا الشهر توتر الوضع في المناطق الشمالية من ايران على الحدود مع تركمانستان عندما قتل الحرس الثوري بحاراً تركمانياً، وازداد الوضع تأزماً ففرضت طهران حالة الطوارئ على بعض المناطق مما دفع جمهورية تركمانستان الى وقف تدفق نفطها الى ايران بسبب المعاملة الايرانية للتركمان الايرانيين.
والتركمان الذين وزعتهم طهران على مناطق عدَّة يستمدون قوة من وضع اكراد العراق، ومحاولتهم العودة الى كركوك الغنية بالنفط، بعدما طردوا منها مع برنامج التعريب البعثي.
ومع قرب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الايرانية ، تبقى هذه القوميات على ترقب لموعد تلك الانتخابات ولسان حالها يقول ان الوعود التي قطعها المرشحون لتلك الاقليات لم تطبق البتة خاصة أن ثمة وعوداً قطعها قادة النظام الجديد لتطبيق ما حمله دستور الجمهورية الإيرانية من مواد تنص على جزء من الحقوق الثقافية المشروعة للقوميات، ومنها على وجه التحديد المواد الدستورية رقم 15 و19 و48 التي تنص على أن يتمتع أفراد الشعب الإيراني من أي قومية أو عشيرة كانوا، بالمساواة في الحقوق.
إلا أن تلك المواد الدستورية وعلى الرغم من مضي أكثر من ربع قرن على قيام الجمهورية الإسلامية فإنها ما تزال حبر على ورق .
ومع قرب انطلاق أي انتخابات سواء الرئاسية منها أو البرلمانية تعود إلى الواجهة مسألة حقوق القوميات وما ان تنتهي الانتخابات حتى تصبح تلك الحقوق في طي النسيان.
ما يمكن قوله بناء على ما تقدم، ان القوميات الإيرانية تشعر بالاحباط من تعاطي الجمهورية الاسلامية مع ملف حقوقها وهو ما ولّد استياءً يبرر برأي البعض وقوع الاضطرابات ذات الطابع القومي بين الفترة والأخرى، إلا أنه من المؤكد أن أجهزة الاستخبارات الاجنبية تلعب دورها ايضاً بوسائل متعددة تشمل التحريض والتمويل والتدريب لمحاولة قلب الأوراق القومية في ايران.
وحتى إذا لم يكن ذلك صحيحاً؛ فان الولايات المتحدة لن تكون إلا سعيدة لرؤية اضطرابات تضعف نظام الجمهورية الاسلامية، وعلى كل فإن مثل هذه التوترات - إذا ما أصبحت ظاهرة مزمنة ـ قد تجعل النظام يواجه في مستقبل الأيام خطراً جدياً يتهدده ، وفق قاعدة "الضغط يولد الانفجار".

باحث وكاتب - الاردن
(7)    هل أعجبتك المقالة (6)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي