أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

صيف دمشق

كنت طفلاً محباً للصيف الذي كان يخلصه من غلاظة المدرسة ومعلميها السمجين الذين كانوا يعاملون تلاميذهم كأنهم مجموعة من السجناء المتخلفين عقلياً، ويستخدمون أيديهم وعصيهم وأقدامهم في تعليم التلاميذ أكثر مما يستخدمون علمهم، فكان معلم الرسم يأتي إلى الصف سكراناً يترنح يمنة ويسرة، وفي كل درس، لا بد له من أن يغضب على تلميذ ما وسيم الوجه، ويحاول معاقبته بوسائل من ابتكاره، فكان يطلب من آذن المدرسة
إحضار شاكوش وعدد من المسامير، ويمسك الشاكوش بيد والمسمسار بيد متظاهراً بأنه سيثقب رأس التلميذ بالمسمار، فيبكي التلميذ خائفاً متوسلاً، ويتزايد خوفه، فيتزايد بكاؤه، ولا يُنقذه إلا رنين جرس إنتهاء الدرس، أما معلم الديانة، فكان لا يتحدث إلى التلاميذ إلا بالعربية الفصحى، ويصور لهم الله والأنبياء قساة أشداء، من يخالف أمراً من أوامرهم، يقاد إلى جهنم، ويسلق في ماء مغلي، ويقلى في مقلاة ضخمة ملأى بالزيت المحرق، ويُدخل سيخ في جسمه، ويُشوى على نار هادئة تزيد من عذابه، فيصرخ مستغيثاً، فيقال له إن ما يلاقيه هو جزاء ما فعله في الحياة الدنيا، وسيظل يتعذب إلى ما لانهاية من دون أن يموت، ومن الطبيعي أن مثل هذه المدرسة لا يؤسف عليها حين تغلق أبوابها في الصيف.
وكنت أحب الصيف أيضاً إذ كان يتيح لي الطواف بالشوارع التي كانت آنذاك تعج بالمغفلين، فكل شارع كان له مغفله، وكان أحب مغفل الي هو المغفل الذي يعتقد أنه سرق مئذنة وخبأها في جيب من جيوبه، ويرفض أن تفتش جيوبه حتى لا يفتضح.

(18)    هل أعجبتك المقالة (17)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي