أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

تركيا والاختبار السوري الصعب!... الدكتور شمدين شمدين

لو كنت محل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ، لشعرت بالإهانة الكبرى بعد إسقاط الجيش السوري للطائرة التركية /f4/ في الأجواء الدولية كما تتدعي أنقرة ، فهذه الحادثة تعتبر ضربة موجعة للمؤسسة العسكرية والسياسية التركية خاصة أنها تأتي بعد سيل من التصريحات النارية التي أطلقها أردوغان ، وتوعده لأكثر من مرة النظام السوري بعواقب وخيمة فيما لو ارتكب مجازر مشابهة لمجزرة حماة في الثمانينات ، لكن المجازر تواصلت ، مجزرة اثر مجزرة ، في الحولة والقبير والحفة ودار عزة وغيرها ، كما استمر سقوط مئات الضحايا يوميا على يد قوات النظام ، وتدفق اللاجئين تزايد باطراد ، فيما اكتفت أنقرة بعقد مؤتمرات للمعارضة على أرضها ، وانخفضت اللهجة النارية لرئيس الوزراء شيئا فشيئا ، ليترك السوريٌ يواجه مصيره بمفرده ، بعد أن تم تعشيمه سابقا بمناطق عازلة ،وحظر للطيران ، وإمداد للسلاح للدفاع عن العرض والشرف والكرامة .


يبدو إن حادثة الطائرة كانت اختباراً من قبل تركيا ومن ورائها الناتو لقوة أنظمة الدفاع الجوي السورية ومدى تماسك القوة العسكرية السورية ،وخاصة بعد حادثة فرار الطيار السوري بطائرته إلى الأردن ، وذلك بغية التنبؤ بما سيكون عليه الوضع في حال شن أي هجوم على سوريا من قبل الحلف ، ويبدو إن سوريا قد نجحت في الاختبار ووجهت لكمة قوية في خاصرة القوة التركية وبالتالي إلى حلف الاطلسي نفسه ، ورغم قناعة الجميع بتفوق الجيش التركي عدة وعتاداً على الجيش السوري ،باعتبار الأول سادس جيش على مستوى العالم من حيث العدد ،إلا إن الحرب ليست نزهة ، وتحتاج حتما إلى الكثير من الحسابات والتحليلات والتجهيزات وقبل هذا وذاك تحتاج إلى موافقة العالم عليها ومدى تقبله لشرعيتها .

الحيرة والتخبط مازالتا تلازمان تصريحات رئيس الوزراء التركي ، كما إن التشاور مع حلف الناتو لم تجلبا له سوى عبارات المؤازرة والتنديد والتهديد بالقوة فيما لو تكررت الحادثة ، فقد اصبح الجميع على قناعة تامة إن أي تدخل خارجي في الصراع السوري الداخلي سوف لن يجلب سوى نتائج عكسية تطال كل دول المنطقة وفي مقدمتها تركيا ، بدءاً بفقدان الثورة السورية السلمية لشرعيتها ضد نظام القمع ، وانتهاء بمخاطر حرب أهلية مدمرة ربما تؤدي إلى سيطرة العناصر الإسلامية المتشددة على الواقع السوري أو تقسيم البلاد على أسس عرقية وطائفية وبالتالي إمكانية قيام كيان كردي جديد في جنوب الدولة التركية وهذه المرة تحت سيطرة حزب العمال الكردستاني الذي استفاد مؤخرا من الفراغ الأمني في المناطق الكردية وأقام بنية الإدارة الذاتية فيها معتمدا على قاعدة شعبية واسعة .

كملاكم تلقى ضربة قاضية أدت إلى خسارته للمباراة بعد حصاده لنقاط عالية وبذله مجهودا مضنيا ، يبدو وضع رئيس الوزراء التركي اردوغان حاليا ، فالعين بصيرة واليد قصيرة ، ويظهر أن اردوغان وحكومته لن تذهب في الانتقام لحادثة الطائرة وقتل طياريها الاثنين المحتمل إلى ابعد من التصعيد الكلامي المعتاد ،وبعض الخطوات الرمزية كتشديد العقوبات الاقتصادية التي لا تؤثر إلا على الشعب السوري المعاقب أصلا من قبل نظام مستبد .

تركيا الدولة التي كانت تتفاخر بأنها النموذج الديمقراطي الوحيد ذو الطابع الإسلامي الذي يجب أن تقتاد به كل دول الشرق الأوسط ، يبدو إنها ستفقد هذه المكانة قريبا بعد نجاح الثورات العربية واعتلاء التيار الإسلامي لسدة الحكم في معظم دول الربيع العربي وتبنيه لقيم الديمقراطية الغربية الحديثة ، كما إن الديمقراطية التركية تصطدم دوما بمعضلات وقضايا داخلية مزمنة كمشكلة الاقليات الدينية والعرقية والمشكلة الكردية هي خير مثال على ذلك ، على تركيا ألا تحلم بكسب ود الأكراد في الدول المجاورة فيما لو أصرت على اعتبار المسالة الكردية مجرد مشكلة إرهاب دون أن تعترف بحقوق الشعب الكردي القومية وإقرار ذلك في دستور عصري حديث يعترف لجميع الاثنيات والطوائف والأعراق داخل حدود الجمهورية بحقوقهم ،كما إن على تركيا أن تجيب في ظل ثورات الربيع العربي المتواصلة على السؤال الكبير التالي ، هل يصلح النموذج التركي الحالي ليكون قدوة لدول الربيع العربي ؟ ان اردوغان نفسه طالب المصريين ان يكون دستورهم علمانيا يتبنى مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان .

إن حادث الطائرة الأخير هزت مشاعر الكبرياء والغرور القومي التركي هزة قوية ، ونبهت الساسة الأتراك إن الخطب الرنانة والشعارات الطنانة والأمثال الشعبية التي يرددها رئيس وزرائهم ، لا تنفع حتما في أوقات الأزمات ،وان الجوار التركي مرتع خصب لمثل تلك الأزمات بدءا بإيران وملفها النووي ومرورا بالعراق والأزمة الحكومية فيه مع ما يترتب على ذلك من خطر على مستقبل ووحدة البلاد وانتهاء بالصراع الدموي الدائر في سوريا ، هذه الأزمات التي تشكل بمجملها امتحانا صعبا لحزب العدالة والتنمية الحاكم لتركيا منذ اكثر من عقد من الزمن ، وعلى ضوء نتيجة هذا الامتحان ستتبلور نظرة العالم إلى الدولة التركية ، فأما أن تصبح دولة إقليمية ذات نفوذ واسع تحتذي بنموذجها الديمقراطي مختلف دول الجوار العربي والإسلامي وذلك بعد حلها لمشاكلها الداخلية وإتمام بناء ديمقراطيتها على أسس صحيحة بعيداً عن لغة التعالي والغرور التاريخية المعتادة للأتراك ، أو تصبح دولة منكمشة على ذاتها تعاني مما تعانيه دول المشرق عموما من أزمات وصراعات مذهبية وعرقية .

ان ملامح الدور التركي المستقبلي في المنطقة سيعتمد حتما على طريقة التجاوب مع ثورات الشعوب لتحقيق الحرية والكرامة والمساواة ، ولا سيما ثورة الشعب السوري ، وعلى النتائج القريبة والبعيدة التي ستتمخض عنها هذه الثورات ،ومدى تأثر الداخل التركي بها ، ودور حزب العدالة والتنمية في المرحلة المقبلة ،والخطوات الواجبة عليه القيام بها لتطوير الديمقراطية التركية أولا وقبل أية تفاصيل أخرى أو حسابات خارجية ربما لن تأتي بما تشتهيه المؤسستين العسكرية والسياسية أو تحقق أحلاما إمبراطورية مازالت تراود مخيلة الكثيرين من صناع القرار الترك .

الدكتور شمدين شمدين
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي