أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

عن حرق مصعب وباسل وحازم.. ورحل الطبيب... حمزة الحلبي

مقالات وآراء | 2012-06-25 00:00:00
عن حرق مصعب وباسل وحازم.. ورحل الطبيب... حمزة الحلبي
زمان الوصل
رحل الطبيبان تاركين وراءهما إرثاً ثقيلاً من الشجاعة والإقدام عجز الكثيرون عن حمله أو حاولوا التهرب منه.

عملا بصمت دون أن يملأا الدنيا بدويِّ إنجازاتهما.

من بيت لبيت، ومن مصاب لمصاب، حاملين بيديهما ما يمكن حمله من أدوات الإسعاف متجولين بين الناس، عيناهما اعتادت رؤية الألم، وفي جوفهما استقرت رائحة الدم... لكنهما رغم ذلك لم يتراجعا أو يترددا يوماً.

 

على خط النار كانا... وحول المتظاهرين يسيران وكأنهما عينان لملاك حارس.

ضحّيا في زمن استخف سواهما بالتضحية.

ضحّيا بالدراسة، بالمستقبل، بالوقت، بالعائلة... وضحيا بحياتهما

لأجل الغير.

 
بضحكته التي لا تفارق محياه، وقلبه العطوف الدافئ، بإصراره وعزيمته وإرادته التي لا تقهر.

باسل أصلان أو كما يطلق على نفسه "الطبيب الراحل" وصديقاه المقربان "مصعب برد" و "حازم بطيخ" طيور فينيق اثقلت الثورة كاهلهم عملاً وجداً فكانت كلمة الله أن احترقوا اليوم .... احترقوا بكل ما للكلمة من معنى.

 
اليوم .. وقفنا أمامهم عاجزين عن الإتيان بحركة حين رأينا جثثهم  رماداً أنهك التعذيب سائر تفاصيلها ...

 
باسل:

إنسان عظيم لا يهدأ، أراد فقط أن يقدم المزيد، أراد الشهادة ولكن من أصعب طريق حين اختار القيام بكل شيء.

 
فيده الطاهرة لطالما أنهكت أزلام النظام، كان ينوي الشهادة كل يوم ويخرج إلى صلاة الفجر فيملأ جدران الطريق بعبارات الكرامة والإصرار.

 
كان يحمل حقيبته الإسعافية بيده ويطير كالنسمة داخل المظاهرة ليلعب دور الرجل البخاخ.

لا أنسى صورته بلثامه الأبيض وهو يركض من مكان لآخر وكله حيوية.

الكل يذكر أنه كان يحمل سكاكر "زاهي" معه أينما كان، ولم يسأل أحد لماذا.

ببساطة: باسل كان يمضي يومه خارج منزله، يستدين المال ليساعد الناس، وليؤمن للمصابين تكاليف العلاج.

كان ينسى نفسه دون طعام طيلة النهار، ففطوره كان دائماً في منتصف الليل.

باسل: ليت الكلمات تكفي للحديث عنه، من مصاب لآخر، ومن طبيب لآخر، وحتى أبسط الإصابات وأعقدها كان باسل هو من يريد استلامها لأنه كان يهوى خدمة الناس، ويعشق العمل على راحتهم.

 اليوم سرقوه منا، اقتلعوا أظافره، كسروا ذراعه وساقه، سلخوا جلده، وحرقوه... بكل الحقد الذي يمكن أن تحمله أكثر الكائنات توحشاً.

 مصعب:

ذاك الصبي الحالم، خطفته منا الثورة مبكراً فكانت محور اهتمامه، فبعكس الجميع كان مصعب يتمنى أن يخطو إلى الأمام، ورغم أنه لم يبلغ بعد مرحلة الطب العملي إلا أنه تعلم خياطة الجروح فأراد أن يعرف كيف تم تفجير الصدر، ثم أراد أن يجرب التنبيب ومنه لإجراء فحص كامل للمصابين.

لم يكن يرضى أن يجتهد فيخطئ، كان دائماً يطلب المساعدة حين يحتاجها لأنه ببساطة كان يريد أن يتأكد أن المصاب بين يديه في أحسن أحواله ويتلقى أفضل ما يمكن.

بسيارته الزراعية كان ينتقل من مكان لآخر ..يغير ضماد لهذا ويحضر الصور الشعاعية لذاك.

 لم ينتظر ما ستحمل له الكلية من فائدة، بل كان يبحث هو عنها ويطلبها بكل صدق ومن كل المصادر، يقضي نهاره بين المصابين وليله في غرف النقاش ليتعلم من أخطائه ويناقش من يمكن أن يفيده.

مصعب: يومه ليس كيومنا، كان يعيش في اليوم الواحد 50 أو 60 ساعة، يجمع عشرات المهام ولا ينام حتى ينجزها، في منتصف الليل يخاطر بالخروج لمتابعة حالة، أمام النار متأهب كنمر يقتنص فريسته.

 مصعب: ببساطة كان يحب أن يرى الناس أحياءً، تماماً بعكس ما كان يريده المجرمون.

 واليوم سرقوك منا، عذبوك وقتلوك وحرقوك.... حولوا طهر جسدك إلى رماد تذروه الرياح، واختصروا عظمة حياتك بقطعة حذاء كانت هي الوحيدة التي دلت على هويتك.

 
حازم:

طعنة في ضمير كل طبيب متخاذل، طالب من طلاب كلية الآداب فيه من الإنسانية ما يكفي ليغمر معظم الأطباء لألف عام، لم يجد له مكاناً في الثورة ضمن مجال دراسته فالتفت إلى أكثر المجالات عجزاً وضعفاً.

لم يكن يعرف كيف يعالج لكنه كان يريد أن يرى البسمة مرتسمة على وجه المصاب وأهله بضحكته الساحرة وروحه التي تعشق السعادة وتستلهمها من الغير.

كان مسؤولاً إغاثياً طبياً فهم فعلاً معنى صفة "إنسان" لطالما ساعد أبناء الريف بكل ما يمكن تقديمه، كان يضع نفسه خادماً لكل مصاب ينقله حيث يشاء ويتابعه كمتابعة الأب لابنه وخوفه عليه، كانت نفسه آخر همومه، يمضي يومه دون أن يقيم صلبه بلقمة صغيرة لأنه رأى بتجرد أن الشعب يستغيث وما من مغيث إلا الله والقليل من الأبطال.

 
رحل عنا حازم، سرقوه بكل الهمجية، وتركوا والده غارقاً في الحيرة والشك، فالنار التهمت جسد ابنه ولم تُبقِ منه أثراً يدل عليه.

 
 رحلوا جميعاً بالجسد وكانت الشهادة ثمناً لعظمتهم وإنسانيتهم اللامتناهية.

رحلوا وتركونا وراءهم صفر اليدين خائبين، لا نعرف كيف سنتابع على دربهم ولا ندري إن كنا سنصون الأمانة.

 المجرمون اليوم أرادوا بجريمتهم توجيه رسالة صريحة لكل جبان وخائف، أن هذا مصير كل من يحاول الخروج من تحت أحذيتنا..
 

اطفأتم نور العيون البراقة الحالمة المتفائلة، وقتلتم سيلاً من الأحلام يمتد إلى 20 سنة أخرى، نسجتم مسرحية سخيفة حين وضعتم أوراقهم الشخصية فوق جثثهم المحترقة، تريدون بذلك أن تقولوا: هذا جزاء من تسول له نفسه إسعاف الغير.

  
نعم نجحتم بإخافة وإرهاب البعض، ولكنكم – ولله الحمد – لم تخيفوا إلا المتخاذلين والعالة على الثورة والثوار، أما الأحرار الحقيقيون فهم الأولى بحمل هذه الأمانة والنهوض بأعبائها.

  
وسواءً كنت طبيباً أو طالباً فإن باسل ومصعب يعلمانك أهم وأعظم درس: "لا تكن أنانياً ولا تحاول التملص من مسؤولياتك"

أما حازم فيهمس في أذن كل ذي ضمير: "مكانك حيث تريد لا حيث تستطيع".

 
شاء القدر أن تكون وصيتهم الأخيرة زفافاً مهيباً من مسجد آمنة، وأراد الله أن ترقد أرواحهم بسلام بتحقيق وصيتهم.

 
 مصعب .. باسل ... حازم: نحن اليوم صدقتكم الجارية، فمع كل مصاب نداوي سيكون لكم من الدعاء نصيب، علمتمونا الإخلاص وسنكون مخلصين لذكراكم.

 
مصعب وباسل وحازم ماتوا اليوم.... لنحيا

مصعب وباسل وحازم نزفوا اليوم.... ليشفى جرحنا

مصعب وباسل وحازم ضحوا بأغلى ما يمكن التضحية به .... ليمسحوا بأدوات الإسعاف البسيطة دمعة عن عين أمٍّ لمصاب.
 
 
حرقوكم نعم، لكن النار على أجسادكم الطاهرة أشعلت في قلوبنا فتيل العزيمة والإصرار.

حملتم الراية طويلاً ولم تجدوا لكم معيناً.... أما الآن فقد أذن الله لصحوتنا أن تبدأ وعهداً سنكمل بعدكم المشوار.
الدكتور فادي
2012-06-25
و لا تهنوا و لا تحزنوا و انتم الاعلون ان كنتم مؤمنين
التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
"نبع السلام" توسع سيطرتها جنوب "تل أبيض" و"رأس العين"      قرار من حكومة "الإنقاذ".. 150 عائلة نازحة مهددة بخسارة أماكن إقامتها في إدلب      قوات الأسد تنقلب على ميليشيا سبق وأن أمرت روسيا بحلها      روسيا: نتفادى وقوع اشتباكات بين الجيش التركي وقوات الأسد      منظمات إغاثة دولية توقف عملها شمال شرق سوريا      مظاهرة في درعا وعناصر الأسد يهربون من غضب المدنيين      واشنطن: نحن خارج مدينة "منبج"      استقالة رئيس الاتحاد البلغاري بعد إساءة عنصرية في مباراة إنجلترا