أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

لماذا ستفشل خطة كوفي عنان لحل الأزمة السورية؟... جمال قارصلي*

مقالات وآراء | 2012-04-26 00:00:00
لماذا ستفشل خطة كوفي عنان لحل الأزمة السورية؟... جمال قارصلي*
زمان الوصل
الأزمة السورية تزداد كل يوم خطورة وتعقيدا ، ونهايتها تزداد بعدا وغموضا بالرغم من أن مجلس الأمن بقراره الأخير الذي يحمل الرقم 2043 ينص على رفع عدد المراقبين الدوليين لدعم خطة عنان المؤلفة من ستة نقاط لحل الأزمة السورية إلى 300 مراقبا. الخطة المذكورة،  والتي أصبحت محط أنظار العالم، تعتبر في نظر الكثيرين الفرصة الأخيرة لحل الأزمة السورية بالطرق السلمية، وهي لا تدعو للتفاؤل ومحكوم عليها بالفشل لأسباب كثيرة، خصوصا إذا نظرنا إلى الوضع الراهن في سورية بعيدا عن الآمال والعواطف.
من خلال التجربة التي عشناها أثناء إرسال المراقبين العرب إلى سورية  بناء على قرارات جامعة الدول العربية، أثبتت السلطة السورية للعالم قدرتها على المناوارة والمماطلة والدخول في أدق التفاصيل، وبواسطتها إستطاعت أن تختزل كل الإتفاقية مع جامعة الدول العربية بموضوع المراقبين وجعلت من هذه النقطة أهم النقاط الخمسة التي تم الإتفاق عليها. نحن نقف اليوم أمام نفس السيناريو الذي عشناه قبل أسابيع قليلة ونشاهد بأن أنظار العالم الآن كلها متجهة إلى المراقبين الدوليين وإلى عددهم وحركتهم وطريقة إختيارهم وعملهم. المراقبون الدوليون أصبحوا الشيء الأول والأخير في خطة كوفي عنان في حين أصبحت باقي نقاط الإتفاقية هامشية أو تم تجاهلها. السلطة السورية لا زالت تتصرف كالنعامة وتغمر رأسها بالرمال لكي لا ترى المخاطر المحيقة بها. وهي لا زالت تقنع نفسها ومن حولها بأن الذي يحصل في كل المدن والأرياف السورية ليس بثورة شعبية بل هي مؤامرة كونية عابرة ويمكن تجاوزها مع مرور الزمن، وأن الذين يقومون بهذه الأفعال هم من المندسين والإرهابيين وهم الذين يطلقون النار على المتظاهرين السلميين وهم أداة في أيدي القوى الخارجية التي تريد أن تكسر جبهة المقاومة والممانعة في سورية.
تبنت السلطة منذ بداية الثورة في سورية الحل العسكري-الأمني لإخماد هذه الثورة، معيدة بذلك إلى الأذهان ما قامت به في ثمانينيات القرن الماضي في حماة وحلب ومدن أخرى سورية. هي لم تظهر في تعاملها مع هذه الأزمة أي نوع من المرونة ولم تأخذ العبرة مما حصل في تونس ومصر وليبيا وكذلك اليمن. السلطة السورية لم تضع في حساباتها التطورات الأخيرة التي حصلت في العالم خلال العقود القليلة الماضية وخاصة في المجال التكنولوجي والسياسي منها.  وهي لا زالت مصرة على منع حصول أي تغيير في موازين القوى داخل البلاد ، لأنها تعي جيدا بأن أي تغيير في هذه الموازين سوف يؤدي بشكل تلقائي إلى نهاية هيمنتها وسيطرتها المطلقة. هذا التغيير سيكون مثل من يفتح ثغرة صغيرة في بناء سد كبير، لأن هذه الثغرة ستكبر بعد حين وستؤدي إلى إنهيار هذا السد بشكل كامل. لذلك يرى أغلب أركان السلطة في سورية في الحل العسكري-الأمني فرصتهم الوحيدة لإطالة عمر بقائهم في مناصبهم. 
تدعي أركان السلطة أنها تريد الحوار ولكنها وفي الحقيقة تخاف منه كما يخاف الشيطان من المعوذات. فلذلك هي تريد أن تحاور نفسها أو أن تحاور معارضة صورية قد صنعتها من أجل هذا الغرض. فلذلك هي تماطل في توفير شروط الحوار والمناخ السياسي المناسب له. أهم شروط الحوار هو إعتراف أطراف الحوار بعضها ببعض ، فكيف تستطيع السلطة أن تحاور شيئا لا تعترف بوجوده. وفي العادة يتم الحوار بين طرفين متكافئين ويكون مستوى تمثيلهم في الحوار متساوي، وللحوار أهداف واضحة وبرنامج عمل تلتزم به كل الأطراف المتحاورة ويجب أن لا يكون الحوار من أجل الحوار فقط، بل يجب ان يكون لدى المتحاورين الصلاحيات الكافية للإتفاق والتنازل والعمل على كسب ثقة الطرف الآخر. السلطة السورية لم تفعل أي شيء من هذا القبيل ، بل عملت على العكس من ذلك ، فالسجون السورية لا زالت مليئة بالمعتقلين الثوار وكذلك التظاهر السلمي لا زال ممنوعا في البلاد والأسلحة الثقيلة لا زالت متواجدة في كثير من المدن والقرى السورية ولم يتم سحبها إلى ثكناتها أو إلى حدود الجولان المحتل. أغلب ما تقوم به السلطة السورية من أعمال "إصلاحية" تأتي بالنتيجة المعاكسة ، وأفضل مثال على ذلك هي عملية الإستفتاء على الدستور السوري الجديد الذي تم في تاريخ 26/2/2012. النتيجة كانت مخيبة للآمال وصادمة لكل من كان لديه شيء من القناعة بأن السلطة الحالية جادة في عملية الإصلاح. الذي حصل لا علاقة له بالإصلاح بل هو عملية ذر الرماد في العيون لأن الدستور الجديد مليء بالثغرات وعملية التصويت عليه تمت تحت ظروف صعبة للغاية. هذا ما منع السلطة بأن تدعي بأن نتيجة التصويت كانت 99% ككل الإنتخابات السابقة التي حصلت في العقود الأربعة الماضية والتي إعتاد الشعب السوري على نتائجها التي لولا الحياء لتجاوزت نسبة ال100% . إضافة إلى ذلك لقد تم تفصيل هذا الدستور على مقاس رئيس الجمهورية والذي من خلاله يستطيع أن يظل رئيسا للبلاد إلى عام 2028 وهنالك من يتوقع بأن السلطة ستقوم قبل هذا الموعد بعملية "إصلاحية" جديدة كهذه وتقدم للمواطن السوري دستورا جديدا آخر "يَجُبُ" ما قبله.
بمباركة السلطة وبدعمها تشكلت مجموعات مسلحة للدفاع عن السلطة مثل "الشبيحة" وغيرها. هذه المجموعات يتم تمويلها من قبل بعض رجال الأعمال في سورية وبالمقابل تشكلت كذلك مجموعات مسلحة من الحركة الثورية إلى جانب الجيش السوري الحر والتي يتم تمويلها كذلك من دول خارجية. أغلب هذه المجموعات المسلحة أصبحت تعمل بشكل مستقل ولا يوجد لها سلطة مركزية تسيطر عليها ، ولهذا أصبح الإلتزام بقرارات وقف إطلاق النار صعبة للغاية. التدخل في الشؤون السورية الداخلية من طرف دول أخرى أصبح يمس بسيادة البلاد الوطنية وهنالك دول أخرى أصبحت تقوم بعملية تصفية حساباتها على الأرض السورية كما كان يحصل ذلك سابقا في لبنان والعراق ، مما جعل عملية الإتفاق على الحل السلمي أكثر تعقيدا وعلى طريقة المثل القائل "كثرة الطباخين تحرق الطبخة". إضافة إلى ذلك هنالك بعض الدول العربية لا تتمنى للثورة السورية النجاح لأنها تعلم بأن رياح الإصلاح والتغيير آتية إليها، وهي تريد أن توقفها على الحدود السورية وتتمنى إخمادها هناك قبل أن تصل إليها.  كما هنالك بعض دول الجوار تتمنى للجيش السوري المصير الذي وصل إليه الجيش العراقي بعد سقوط بغداد ، أي أن يكون جيشا ضعيفا ممزقا أو محلولا ولا حول ولا قوة له. أما الكيان الصهيوني فهو يخاف من إنتصار الثورة السورية لأنه يعلم بأن أولى مطالب الحكومة الجديدة بعد إنتصار الثورة  ستكون تحرير الجولان المحتل وإعادته إلى حضن الوطن الأم سورية.
التدخل العسكري الخارجي وخاصة الغير عربي سيؤدي إلى حرب أهلية طويلة الأمد لأن هذا التدخل سيقابل بمقاومة شعبية شرسة، وخاصة من أتباع السلطة الحالية والمتنفذين في الدولة وبعض القوى الإسلامية المتطرفة التي ستجد على الأرض السورية مرتعا خصبا لتصفية حساباتها مع بعض القوى العالمية كما حصل في العراق واليمن وما يحصل الآن في أفغانستان. أما إطلاق النار على المتظاهرين السلميين وحصد أرواح العشرات منهم خلال دقائق قليلة وتدمير عدد من المدن والقرى السورية من قبل الجيش السوري بواسطة الأسلحة الثقيلة والقيام بالمجازر الشنيعة ضد مواطنين عزل، فهو يعطي المبرر الكافي لتسليح الثورة السورية والجيش السوري الحر. هذا التسلح يتم الآن على قدم وساق وهذا ما سيعجل التفاهم السياسي في غاية الصعوبة.
إذا ما هي الإمكانيات الموجودة للوصول إلى حلي سلمي للأزمة السورية؟
من الواضح أن السوريون لا يستطيعون وحدهم حل مشاكلهم للأسباب التي ذكرناها سابقا، وهذا يُعَرِّضْ كل الأطراف المتنازعة للإبتزاز من قبل قوى خارجية ، بالرغم من أن كل أطراف الأزمة السورية متفقة على ضرورة الإصلاح والتحول الديمقراطي. هنا تقع مسؤلية كبيرة على أصدقاء سورية وخاصة الدول التي تدعم السلطة عسكريا وسياسيا وإقتصاديا ، مثل روسيا وإيران والصين. هذه الدول تستطيع ان تنصح السلطة في سورية - وحتى تضغط عليها - في تطبيق خطة عنان كاملة وبكل نقاطها الستة والإبتعاد عن المراوغة والمماطلة ، لأن ضياع الوقت ليس لصالح السلطة ولا لصالح المجتمع السوري بشكل عام. وفي مقابل ذلك تقوم الأطراف الداعمة لتكتلات المعارضة مثل تركية ودول الخليج وأمريكا وبعض الدول الأوربية بإقناع أصدقائها للتحلي بالمرونة والإستعداد للتنازل في بعض الأمور من أجل الوصول إلى حل يرضي أغلبية المجتمع السوري وينقذ سورية وحتى المنطقة كلها من كارثة تتربص بها.
أكثر أوراق الأزمة السورية هي في يد السلطة وعلى رأسها رئيس الجمهورية الذي يستطيع أن يقدم تضحيات أكثر من غيره من أجل حماية الوطن من آفة الحرب الأهلية، حتى لو كلفه ذلك التنازل عن منصب الرئاسة كما حصل في اليمن. الإتفاق المنشود يحتاج إلى  حوار جاد ونابع من إرادة حقيقية وعلى كل الأطراف أن تكون بقدرهذه المسؤلية التاريخية وتضع مصير ومستقبل الوطن والمنطقة في أعلى أولوياته. 
نحن نتسابق الآن مع الزمن ونسمع دقات ساعة القنبلة الموقوتة بكل وضوح ولا يفصلنا عن نقطة اللاعودة أو نقطة الصفر إلا دقائق قليلة. فإذا لم نستطع أن نتجاوز العقبات الشائكة في طريق التفاهم من أجل الوطن وأجيالنا القادمة فإن خطة عنان لحل الأزمة السورية محكوم عليها بالفشل الأكيد، وسيأتي اليوم الذي سنقف فيه أمام الله والتاريخ. إن رحمنا الله فإن التاريخ لا يرحم.

*نائب الماني سابق 
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
أبراج كهرباء "جسر الشغور" تُوتر العلاقة بين "حراس الدين" و"تحرير الشام"      35 جنيها استرلينيا تضع ملكة جمال بريطانيا أمام تهمة تمويل الإرهاب      اتفاقية لإنتاج مشترك لأنظمة الصواريخ بين موسكو وأنقرة      "أحمد داود أوغلو" يطلق حزبه ويعلن معارضته لأردوغان      روسيا تعلن خروج حاملة طائراتها الوحيدة عن الخدمة      الشبكة السورية تؤكد قصف النظام مخيم "قاح" بريف إدلب      ليفربول يمدد التعاقد مع كلوب حتى 2024      صور... جريمة قتل تصيب معقل الإجرام في عائلة الأسد