أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

ماري تيريز أسمر--مذكرات اميرة بابلية سريانية كلدانية .. لينة جورج

دراسات | 2007-12-08 00:00:00
بونجور شام
ماري تيريز أسمر... اسم قد يكون مجهولا للكثير من العراقيين لغاية عدة سنوات خلت، لم يكن احد يعرف عن هذه المرأة العراقية شيئا، فقد كانت مخبأة في مدونات القرن التاسع عشر... مخبأة في كتاب يحمل عنوان 'مذكرات اميرة بابلية' بالانكليزية، ومن كثرة ماتحتوي المكتبة البريطانية من مطبوعات ومدونات، فان هذا الكتاب يتكون من جزأين والذي يتجاوز عدد صفحاته السبعمائة وخمسين صفحة بقليل ربما لا يحتوي كل شيء عنها، كما انه لم يحظ بكثير من الاهتمام، لكي يتاح للبعض التعرف على امرأة لم تكن مغمورة لكن النسيان والتجاهل وقلة البحث عن الرواد ادى الى دفن سيرتها بين كتب القرن التاسع عشر.
واخيرا ظهرت ماري تيريز اسمر ليكتشف القارئ هذه الامرأة العراقية الرائدة في كثير من الاشياء. رحالة. ومتعلمة، ورائدة لثقافة المرأة، وسائحة، ومؤرخة،
والفضل يرجع في اكتشافها وتقديمها للقارئ ولابناء وطنها العراق، الى امرأة مبدعة مثلها، فنانة تشكيلية عراقية تدعى امل بورتر وهي واحدة من فنانات العراق في مجال الرسم، فضلا عن كونها استاذة اكاديمية متخصصة في دراسة الفن وتاريخ الفن من بريطانيا وبيروت وبغداد وفيينا وموسكو، وحاضرت في تخصصها الفني في عدة بلدان ومنها في كلية التربية الفنية في سلطنة عمان. وهي ناشطة في الكثير من منظمات المجتمع المدني وباحثة لها كتابات جزيلة في وسائل الاعلام.
العثور على ماري تيريز أسمر
قامت الاستاذة امل بورتر بالبحث عن ماري تيريز اسمر بعد ان عثرت بالمصادفة ـ كما تقول ـ على كتيب صغير مطبوع عام 1969، يتحدث عن مدينة تلكيف وهي مدينة عراقية صغيرة في سهل نينوى شمال العراق وتعد احدى مدن المسيحيين العراقيين.
وجدت امل بورتر سطورا قليلة تشير الى ماري تيريز أسمر باعتبارها من شخصيات تلكيف، وعلمت من تلك السطور انها رحالة، ومتعلمة وألفت كتابا بالانكليزية بعنوان 'مذكرات اميرة بابلية' تحدثت فيه عن حياتها وعن المجتمع العراقي ومشاهداتها ورحلاتها في بلدان عديدة منها الشرق الاوسط.
ثم علمت الباحثة امل بورتر بان هذا الكتاب لا اثر عربيا له في المكتبات العراقية او العربية، لأنه لم يترجم، كما لم يكتب عن ماري تيريز اسمر سابقا لكي يتعرف عليها ابناء بلدتها وابناء شعبها العراقي، فاتجهت الى المكتبة البريطانية. وبعد بحث في الفهارس وجدت الباحثة ضالتها وعثرت على ماري تيريز اسمر وكتابها وهما مخبئان بين فهارس الكتب.
فنفضت الغبار عنهما ـ كما يقول المصطلح العربي ـ لتجد انها عثرت على امرأة عراقية تعد من الرائدات المكافحات من اجل التعليم والتحضر، وهي علم من اعلام العراق، لكن النسيان أسدل عليها ستارا من التجاهل الذي كان مصير العشرات من شخصيات أرض السواد.

أميرة بابلية

اطلقت على مذكراتها التي صدرت في جزأين بالانكليزية عام 1844 اسم 'مذكرات اميرة بابلية' وقد تكون دوافع اختيارها لهذا العنوان كثيرة، في مقدمها الاعتزاز بتراث وطنها وبتاريخها وبحضارتها البابلية، وقد يكون الاختيار جاء نتيجة اعتقاد كان سائدا عند الكثيرين بان العالم الاوروبي انذاك لايعرف العراق بقدر ما يعرف بابل. وقد يكون يعرف بغداد من خلال كتب المستشرقين او كتب تراثية وفي مقدمها كتاب 'الف ليلة وليلة'. غير ان اختيارها للقب 'اميرة بابلية' كان نوعا من الافتخار وضربا من المباهاة بالاصل والنسب، خصوصا ان النسب الكلداني السرياني  له اهمية كبيرة عند الكثير من المسيحيين العراقيين اولئك الذين مازالوا متمسكين بوطنهم العراق موطن حضارتهم وهم يتطلعون الى تراث تلك الحضارة الممتد على امتداد سهل نينوى والمدن الاثارية حوله، رغم ان صفة الامارة قد لاتقتصر على النسب انما قد تذهب ايضا للمبدعين والمتفوقين من الجنسين على مر العصور ومنهم ماري تيريز اسمر.
غير ان الذي يثير الاهتمام لدى الباحثين هو ان تتصدى امرأة عراقية للتأليف والترجمة والى نشر الثقافة والتعليم بين النساء في منتصف القرن التاسع عشر، حيث كان العراق عام ولادة ماري يعيش ظروف التخلف بسبب حكم المماليك العثمانيين الذي بدأ عام 1804، بتولي سليمان باشا الكبير ولاية العراق، وبدء مرحلة التدهور تحت الحكم المملوكي لثلاثة عقود تالية.
امرأة بتسع لغات
فهذه المرأة كانت تكتب وتتحدث بتسع لغات (العربية والسريانية والانكليزية واللاتينية والعبرية والتركية والكردية والفرنسية والايطالية) ولا بد ان تكون قد تعلمت كل هذه اللغات بجهد ومثابرة كبيرين، وقد يكون لأسرتها وحياتها الاجتماعية دور كبير في تعلمها كل هذه اللغات، وهي بهذا امتلكت ادوات الاطلاع على ثقافات وأديان الشعوب، وامتلكت ايضا وسائل القراءة والبحث والتأليف في وقت كان الجهل وكانت الامية يفرضان ليلهما الطويل على حياة الشعب العراقي انذاك . وفي زمانها ايام الحكم العثماني(1804 ـ 1860) كانت الامية تصل الى ما يزيد على 95% بين الرجال والنساء.في وادي الرافدين. ومن ذلك الوضع يمكن ان نقيس قدرات امرأة بتسع لغات في مجتمع تحفر فيه النساء بالصخر ليكتبن اسماءهن بارزة على وجه المجتمع.
من هي ماري تيريز أسمر ؟
وبالتأكيد حين تكون امرأة في ذاك الزمن على قدر كاف من التعليم وتجيد عدة لغات وتملك الشجاعة على التحرر والتفوق والبحث والتعيلم والسياحة والترحال، فانها حتى بمقاييس زمننا الحاضر تحظى بدرجة ممتازة من التقدير رغم كثرة المبدعات من نساء العراق حولها، فكيف لو قيمناها بمقاييس ذاك العصر حين كانت البارزات قليلات، والكثير منهن محجوب في البيوت، حيث كانت المرأة العراقية محرومة من التعليم وكان التمييز الاجتماعي والتقاليد والدين يفرضون على المرأة الحجر التام، فبالتأكيد ستكون ماري تيريز اسمر الداعية لتعليم المرأة، والرحالة التي جابت البلدان وقابلت كبار الشخصيات من الملوك والامراء والتقت البابا وافتتحت اول صف واول مدرسة لتعليم البنات وكتبت المذكرات ووصفت المجتمعات بأوصاف تتسم بالوعي، ومارست الفن المسرحي والرسم والفنون الجميلة الاخرى، فمثل هذه المرأة لا بد وان تكون نجمة ساطعة في سماء زمن ملبد بالظلام والغيوم.
ولا ندري كما تقول الباحثة امل بورتر التي اخرجت لنا بشغف كبير مذكرات ماري تيريز اسمر من بين غبار النسيان وترجمت ونشرت فصولا من تلك المذكرات باي لغة كتبت مذكراتها؟. وقد تكون مذكراتها ترجمت الى الانكليزية من لغة اخرى؟. كما اننا نتساءل لماذا لم تترجم مذكرات هذه المرأة العراقية المتفوقة والمتميزة من قبل؟ واين هي المؤلفات والكتب الاخرى لهذه المرأة العراقية البارعة؟
فهي كما تقول سيرتها لها كتب وموسوعات اخرى غير مذكراتها.؟ ومنها كتابها الشهير (صوت الشرق) الذي صدر عام 1845 بعد كتابها الاول كما قال احد الباحثين ـ زياد عبد الله ـ وقال انها تحدثت فيه عن 'مجد الشرق' وحضارته وانها شبهت نفسها فيه بالملكة الاشورية 'سميراميس'، ومن الوفاء لها ان نكشف المزيد من تراثها الثقافي والاجتماعي.
ولدت سنة الطاعون

وحسب تلك المذكرات تقول ماري تيريز اسمر انها ولدت سنة 1804 م، وكانت عائلتها انذاك تسكن في بغداد وامها حامل بها حين اجتاح بغداد وباء الطاعون في تلك السنة فقرر والدها الابتعاد عن بغداد والرحيل عنها عائدا الى سهل نينوى، حيث ولدت هناك.
تقول ماري تيريز في مذكراتها: 'وباء الطاعون انتشر في بغداد سنة 1804 ، مما جعل والدي يقرر الرحيل والابتعاد بعائلته الى الريف قرب خرائب نينوى، حيث كان يملك منزلا يطلق عليه انذاك اسم 'قصر العزة'، في هذه الفترة ولدت في خيمة منصوبة في الصحراء ليست بعيدة عن دار والدي.
وفيما كتب عن بغداد في ذلك التاريخ يقول المؤرخون ان بغداد اجتاحها الطاعون فعلا في ذلك التاريخ في اول عهد سليمان باشا الكبير حتى ولاية علي باشا (1803 ـ 1807). واستمرت موجات الطاعون فيها تحصد اهل بغداد حتى لم يبق فيها غير الاف قليلة، لكن الادهى من ذلك هو الصراع بين المماليك العثمانيين الذين حكموا العراق في ذلك التاريخ حتى عام 1831 وبعدها عادة السلطة للباب العالي، فكان هم المماليك الاول والاخير هو جمع المال بوسائل القمع لكي يوفوا بالتزاماتهم للاستانة، فيما يرزح اهل العراق في الفقر والجوع والطاعون والفيضانات. ولهذا كان من الصعب الحديث عن قضايا اعمار وبناء وتعليم في ذلك التاريخ المظلم في العراق.
تلكيف

اما 'تلكيف' التي ولدت فيها او بقربها في خيمة كما تقول ماري تيريز فهذه المدينة تعتبر ماري ابنتها وتفتخر بها، ولا يوجد باحث عرض لتاريخ 'تلكيف' من دون ان يشير الى اسماء شخصيات ادبية وثقافية من ابناء هذه المدينة كان لهم اسهام في الصحافة والادب والتأليف والنشاط الديني في العراق.
يتحدث الباحث زياد عبد الله عن تلكيف بانها مدينة آشورية سريانية عريقة استوطنها خليط من الاقوام الذين عرفوا بحضارة وادي الرافدين من الاكديين والكلدانيين والآشوريين.
وكانت المدينة تسمى ايام الحضارات الاولى باسم 'تل كيبة' باللغة الارامية الشرقية وتعني بالعربية 'تل الحجارة'، وقد استخدمها  الآشوريون الذين ازدهرت حضارتهم في القرن الرابع عشر قبل الميلاد حصنا وحامية عسكرية من الحاميات المحيطة بعاصمتهم نينوى التي ازدهرت في عصر سنحاريب الآشوري (704 ـ 681 قبل الميلاد).
وقد انجبت 'تلكيف' عبر تاريخها القديم والحديث شخصيات ثقافية متميزة في مجالات العلوم والآداب والفنون وكانت الانسة ماري تيريز اسمر من ابرز شخصياتها.
أميرة ابنة أمير

تصف ماري تيريز اسمر نفسها ب 'الاميرة' لكنها اميرة بابلية. غير انها تقول عن جدها وعائلتها اشياء تثير الاهتمام:
فهي تقول: 'جدي الامير عبدالله كان رجلا واسع الثراء امتلك الاراضي والبيوت والاغنام ومزارع انتاج الحرير والجمال التي بلغ عددها 5 الاف جمل'.
ومثل هذا الوصف يثير تساؤلات عديدة فهل ان اسرتها المسيحية الكلدانية (سريانية كاثوليكية)  كان لايضيرها ان تسمي ابناءها باسماء اسلامية مثل عبدالله واين كانت امارة جدها؟
تقول ماري تيريز: 'والدي كان يتبع الطقوس الكنسية الكلدانية وهي شريكة للكنيسة في روما. منزل والدي كان ملاذا لكل انسان بائس ومن اي طائفة ان كان مسيحيا او مسلما او يهوديا، لقد ابتنى بيتنا، خصيصا لهذه الغاية ولاستقبال الغرباء وكان يذهب بحثا عنهم وعندما يجدهم كان يدعوهم الى هذا البيت (الذي اطلق عليه قصر العزة) ويغسل اقدامهم بيديه ويقوم بضيافتهم وخدمتهم بنفسه'.
وتضيف قائلة عن والدها لتظهر كم كان التسامح عروة وثقى بين الطوائف في العراق: 'كان والدي يمنع اخي الطفل الصغير ويؤنبه حين يصعد الى أعلى النخلة ويصيح الله واكبر في بعض الاوقات، كان يقول له ان هذا يستثير اخوتنا المسلمين الذين يعيشون بيننا ومن الادب ان نحترم مشاعرهم'.
المحنة توحد العراقيين

قد يكون ماتحدثت عنه ماري تيريز اسمر من تآخي وتسامح بين المسلمين والمسيحيين هو نتاج ما اصابهم من محن فاكتشفوا ان الصراع الدامي بين الطوائف والقتل على الهوية الدينية لن يستفيد منه لا المسلمون ولا المسيحيون ولا الاقوام الغازية او المغزية.. فالكوارث توحد البشر وتجعلهم يتجهون الى الله الذي انزل اديانه ورسله على البشر لكي يعيشوا بسلام ومودة ورحمة وليس للقتل والارهاب والدمار طالبين منه العون والهداية، معبرين عن آلامهم الواحدة امامه.
تقول ماري تيرز أسمر: 'هذه عادة اهل نينوى القديمة وهي انهم في النائبات يمرغون رؤوسهم في الرماد ويلبسون الملابس الخشنة.. اتذكر قصص جدي الرائعة وقد عمر طويلا، وهذه القصص شاهدها بنفسه وكان شاهدا على حوادثها خلال حياته المهنية الطويلة، ولن انسى الشعور بالرعب وهو يحكي لي عن حصار نادر شاه لمدينة الموصل سنة 1732والذي دام اياما طويلة.. حكى لي كيف ان الباشا الذي كان يحكم الموصل انذاك كان ينظر بعين العطف الى المسيحيين، اصدر امرا يدعو السكان الى الابتهال الى الله كل حسب معتقده، وكيف انهم لدرء غضب الله القدير طبقوا طريقة نينوى القديمة بالتطوع وباعلان واظهار التوبة والندم واماتة النفس وذلك بلبس الخشن من الثياب واهالة الرماد على الرؤوس'.
أيام نادر شاه

ولعل من المناسب هنا ان نشير ولو بوصف وجيز لتلك الايام التي تحدثت عنها ماري تيريز اسمر نقلا عن جدها.
انها ايام الغزو الفارسي للعراق الذي قاده نادر شاه، غزا نادر شاه شمال العراق عام1732م، فوصل كركوك فحاصرها واستولى عليها. وكانت عساكره الفارسية الجرارة تدمر وتنهب وتسبي كل شيء في طريقها الى بغدا د، وسير قسما من جيشه بقيادة وزيره نركس خان نحو احتلال الموصل، غير ان حاكمها انذاك الباشا (الحاج حسين آل عبد الجليل الذي تحدثت عنه ماري تيريز وقالت انه يعطف على الجميع ويحث على التآخي بين الطوائف، شكل مقاومة قوية ضد الغزاة الفرس وكان يحث الاهالي من المسلمين والمسيحيين ومن لجأ للموصل من الكلدانيين أبناء القرى المجاورة على الصمود وحماية مدينتهم، مما زاد من عزيمة أهلها.
لكن الجيش الفارسي الذي كان متجها الى بغداد او ذاك الذي حاصر الموصل كان جيشا همجيا استباح قرى كثيرة عامرة اثناء زحفه واكتسح بلدات وهدمها واستباح سكانها مثل تلكيف والقوش وكرمليس، وراحت قوات جيش نادر شاه تقتل رجالها وتسبي نساءها وتنهب دورها وكنائسها وتقتل رهبان معابدها واديرتها، فكانت ايام خراب داهم، مماجعل العراقيين من مسلمين ومسيحيين في الموصل وسهل نينوى يلبسون الخشن من الثياب ويرمون الرماد على الرؤوس (كما قالت ماري) ويتذرعون الى الله لينقذهم من ذلك الغزو الهمجي.
إنشاء أول مدرسة

يمكن الحديث عن اوائل المدارس في بغداد والموصل والتباهي بتراث المستنصرية وغيرها من مدارس العصر العباسي، كذلك يمكن استعراض الاوائل البارزين في النهضة التعليمية في الفترة المظلمة من العهد العثماني بين 1600 1850 م، وكيف قامت محاولات لنشر التعليم في الموصل منذ ان حل الاباء الدمنيكيون فيها عام 1750 ميلادية، لكنها كانت محاولات تقتصر على القليل من الناس وتختص ببعض الكتاتيب والمدارس المنزلية والمساجد والمكتبات القليلة عند المسلمين وبعض الاديرة والكنائس عندالمسيحيين، كما انها كانت تقتصر على الذكور فقط، اما المرأة فلم تكن تجد طريقا للتعليم بسهولة، فهي كما تقول ماري كانت تعاني من التمييز والاضطهاد الاجتماعي لهذا اندفعت ماري تيريز اسمر نحو انشاء مدرسة صغيرة للبنات في قريتها وهو السلاح الامضى للدفاع عن بنات جنسها.
تقول ماري تيريز: 'في قرية صغيرة التي يملك اكثرها والدي وجدت بقايا دير صحراوي غير بعيد عن مكان اقامتنا، اخذت ما احتاج اليه للاقامة. وكما في السابق بدأت اقضي اوقاتي في الصلاة والتأمل وقسما من وقتي خصصته لكتابة وتأليف الكتب الدينية، وبعد مرور وقت على بقائي هناك قررت ان أؤسس مؤسسة تعليمية للنساء، اتفقت مع صديقتين لي واحدة من ما بين النهرين والثانية من بلاد فارس.. ان عدم المساواة بين الجنسين يثير حفيظتي، وجدت النساء المسيحيات يعاملن معاملة الرقيق والعبيد، وعيهن لم ينبت او يثمر، وعوملن بتجاهل، واستولى عليهن الجهل، في حين ان الرجال يتمتعون بكل مايتيح لهم من فرص التعليم. لذا صممت على بذل كل مافي وسعي من قوة لتثقيف بنات جنسي.
واحدة من بنات خالي قررت ان تدرس الطالبات اللغات الكردية والفارسية والكلدانية
وهناك سيدة اعرفها على قدر كبير من الحصافة والثقافة تطوعت معنا، وكذلك تطوع عدد لا يستهان به من النساء. جذبهن معهدنا، الذي لم نهمل اي مادة تدريسية فيه، انضم الينا الكثير من النساء من الطبقات العليا، وقدمنا هذه الخدمة من دون حساب للخلفيات الاجتماعية. وقبلنا في المدرسة الفتيات الفقيرات ايضا.
من يقرأ هذا الفصل من مذكرات ماري تيريز اسمر (الاميرة البابلية) يتلمس عزيمة هذه المرأة التي عرفت ان تعليم المرأة هو السبيل لمقاومة الجهل والتخلف في المجتمع، ويشعر بمدى قوة شخصيتها وهي تبني صرحا للمعرفة في منطقة محاطة بالعزل الاجتماعي وبالجهل وبالخوف، غير انها وزميلاتها كن يتمتعن بعزيمة الرجال ايضا.
الرحالة التي حملت مجد الشرق

كما هي في كتابها صوت الشرق تباهت ببلادها وموطنها وحضارة قومها، فان رحلاتها الى بلدان الشرق الاوسط واوروبا وجولتها هنا وهناك اعطتها فرصا كثيرة لتعرض ذلك المجد على الآخرين، كتبت مذكراته وطبعتها عام 1844 في بريطانيا.وطبعت كتابها الآخر عام 1845 ونعرف ان لها كتبا اخرى. غير ان مقابلاتها لأشهر الشخصيات في ذلك الزمن ومنها بابا روما جعلها تستحق لقب سفيرة نينوى، سفيرة اهلها ووطنها. ومهما جالت في البلدان الغربية، فانها ظلت على قناعتها بأنها تفضل بساطة الانسان الشرقي على مكر الانسان الاوروبي ـ كما تقول ـ وهي تقارن تلك البساطة بذلك المكر فتكتب قائلة:
ماري تيريز اسمر:
انني افضل بساطة الانسان الشرقي على مكر الانسان الاوروبي. كما ان البدوي القادم من الصحراء قد يضطر الى قتلك بسبب الحاجة لكنه رغم ذلك يلتزم بوعوده، ولك ان تثق به. لهذا كانت دهشتي عظيمة عندما كنت في روما التي تعتبر الينبوع الرئيسي للمسيحية حين سمعت حكمة هناك تقول 'لاتثق بأحد حتى لو كان والدك!'
تستهجن ماري هذه الحكمة التي تزعزع علاقة الانسان بالاخرين وتجرده من الجانب الايجابي الجميل في وجوده مع اهله، وبالطبع هي تذكرت ما تلقته من حكم وامثال شرقية تخالف تماما ماقرأته وسمعته في روما.
سمو أخلاق البدو

حتى تستطرد بالمقارنة بين حياة الشرق وعاداتها وبين حياة اوروبا التي تتصف بالمكر تروي ماري في مذكراتها قصة ذلك البدوي العاشق الذي اختطف احدى صديقاتها، لكنه عاملها معاملة كريمة تنم عن سمو اخلاق، تقول:
ماري تيريز اسمر:
'في يوم من الايام كنا في رحلة على الخيل انا ووالدي واخوتي ومعي صديقتي مريم التي جاءت لزيارتي ورافقتني في هذه الرحلة. وما ان وصلنا الى قرية تدعى قرقوش على بعد ثلاث ساعات عن الموصل، حتى ظهر لنا ما يقارب الخمسين فارسا من البدو العرب في تلك الاصقاع، اعترضوا طريقنا. والدي واخوتي كانوا مسلحين ولكن من العبث مواجهة خمسين فارسا بدويا مسلحا. احاطوا بنا. ولم يستخدموا العنف، وتقدم شيخهم الذي يقودهم وراح ينظر الى صديقتي مريم التي اعجبته بجمالها فهام بها عشقا. اذ اصابته صعقة الحب. وأصر على أخذها منا. وراح يحاججنا ويرفض جميع توسلاتنا التي تدعوه ألا يفعل ذلك، فانتزعوا مريم منا ورحت اشاهدها بحزن وكمد وهم يبتعدون بها عنا، وكان من الصعب اللحاق بهم، لانهم يمتطون خيولا عربية سريعة'.
جاءت مريم لتقضي وقتا معي، لذلك لم يعلم اهلها بما جرى لها، كما ان والدي قرر عدم اخبارهم بالامر لكي لايفزعهم ويجلب لهم الهم والغم، وقرر ان يبذل المحاولات لاسترجاعها وبذل الفدية المالية لهم.. واجرى والدي تحرياته وعرف مضارب هؤلاء البدو الذين طلبوا منه ان يدفع لهم خمسين كيسا (اي مايعادل 600 باون انكليزي).
والدي كان سعيد بدفع الفدية، وعادت مريم وحكت لنا ماجرى لها وكيف عاملها اؤلئك العرب البدو بكثير من الاجلال والاحترام، مما خفف عنها هول الاختطاف. وقالت ان الشيخ 'العاشق' كان نزيها في نواياه، وصادقا في حبه وعشقه، فلم يصبها بأذى ولم يلجأ للتهديد او ارهابها للبقاء معه بل قال لها انه سيقبل الفدية ارضاء لكرامة الرجال الذين رافقوه، مريم لم تتوان عن القول انها كانت ممتنة لكرم تصرفه خلال فترة اختطافها اذ عاملها بكثير من الاحترام والتقدير والمهابة.
بلاد النهرين في عيني ماري

تحدثت ماري عن كثير من جوانب الحياة في بلاد الرافدين واعطت صورة جميلة عن بلادها للقارئ الاوروبي، وصفت في كتابها 'الترف العثماني' والتفرقة بين الرقيق والخدم من الاماء وبين اهل القصر، ووصفت جمال النساء الموصليات والكرديات او تلك النساء اللواتي يجلبن من القفقاس واليونان الى قصور البشوات، كما تحدثت عن احوال الناس، طعامهم وملابسهم وطرق حياتهم ووصفت بعض عاداتهم في الاحزان والافراح وكيفية مواجهتهم للبيئة والطبيعة.
ووصفت افراح الفلاحين ومواسم الحصاد وانواع الطعام والعادات، وتطرقت الى التاريخ القديم لبلاد ما بين النهرين. وتحدثت عن برج بابل وعن نينوى، كما اشارت الى ايام الفقر والجوع والأوبئة، وذكرت ايام الرخاء والتسامح الديني والتعايش بين الطوائف، وتحدثت بألم عن احداث التحيز الطائفي وما عاناه المسيحيون من اضطهاد على ايدي الجهلة المتطرفين.
كل هذا وغيره تحدثت عنه ماري تيريز اسمر بلغة واعية بسيطة، ويشعر المتتبع لحياتها ومذكراتها انها امرأة كتبت باعتزاز عن كل شيء في وطنها.
مسرحية في قصر الأمير الشهابي

اصبحت ماري في فترة من حياتها مرافقة للاميرة اللبنانية الشهابية الدرزية. وسكنت في قصر بيت لدين.وعن تلك الرفقة تحدثت بكثير من الاعتزاز عن كرم وشهامة الدروز ووصفتهم بأوصاف نبيلة. وروت في مذكراتها عن حياتها مع الاميرة الشهابية حكاية تلك الحفلة المسرحية التي قدمتها للنساء في قصر بيت الدين.
فقد قررت الاميرة الشهابية مع ماري تيريز اسمر تقديم مسرحية في الحفلة تدور حول حكاية 'النبي سليمان والملكة بلقيس' قامت بدور بلقيس الاميرة الفاتنة الشهابية، وأدت ماري دور الملك سليمان وتمت الاستعانة بالحيوانات والطيور المتوافرة لديكورات المسرحية، كما تم استخدام ملابس وجبة الامير الشهابي في دور الملك سليمان، واوصت الاميرة حراس القصر بعدم الاهتمام اذا سمعوا صراخا قادما من جناح الحريم فهذا سيكون نتيجة الانفعال والاندماج في الاداء المسرحي.
تقول ماري:
'ان هذه الاجواء المسرحية كانت مهمة لنساء القصر الشهابي وساهمت في بلورة حسهن الفني والتاريخي'.
هناك الكثير الذي يمكن قوله عن ماري تيريز اسمر غير ان الذي قلناه وقد يكون شيئا وجيزا عن حياتها، قد اعطى فكرة ورسم صورة لامرأة عراقية كانت تريد ان تكون رائدة في اكثر من مجال فأبدعت في الكثير من الاشياء، شأنها شأن الكثير من نساء ارض السواد المبدعات على مر العصور.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
19 مليون شخص شاهدو الحلقة الأخير من "صراع العروش"      أرملة فرنسية تطالب بوينج بتعويض قدره 276 مليون دولار بسبب الطائرة الإثيوبية      قطر تعلن عن الفئات التي يحق لها طلب اللجوء السياسي لديها      الدنمارك: السجن لطالب لجوء سوري خطط لتفجيرات في كوبنهاغن      هولندا: القبض على سوري للاشتباه في انتمائه لــ"النصرة"      البادية السورية.. قتلى للنظام و"حزب الله" على يد التنظيم قرب "السخنة"      الجيش الأمريكي يعترض 6 مقاتلات روسية قبالة سواحل ألاسكا      النفط يستقر وسط التوتر بين أمريكا وإيران والحرب التجارية