أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

استقالة وزير العمل.... مبروك... رشيد شاهين


هكذا، وبعد ما يقارب الأسبوعين كان وزير العمل احمد مجدلاني خلال واحد منهما خارج البلاد في مهمة عمل رسمية، يعود إلى الوطن، ومنذ اللحظة الأولى التي وصل بها إلى مدينة رام الله، يدعو الى اجتماع للكادر القيادي في جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، ويتم تدارس الأمر المتعلق بموضوع الألفاظ " المقززة" كما وصفها بسام زكارنة، ولم يتردد الدكتور مجدلاني عن المبادرة من جديد في تقديم اعتذار آخر للشعب الفلسطيني، مؤكدا من خلاله انه لم "يقصد الإساءة لأي من أبناء وبنات الشعب الفلسطيني"، كما قام بوضع استقالته "بتصرف السيد الرئيس أبو مازن وكذلك رئيس الوزراء الدكتور سلام فياض.

بهذا يكون الدكتور مجدلاني هو أول وزير فلسطيني يقدم على مثل هذا الفعل، ليضع حدا للهجوم المبرمج والممنهج، والذي يحمل في طياته أجندات سياسية واضحة المعالم، كما يؤشر على عقلية راسخة في الذهاب بعيدا بإقصاء الآخر، الموضوع لم يكن الكلام " المقزز" الذي تحدث عنه زكارنة، وإنما "قلوب مليانة"، نأمل أن تكون قد شفت غلها وغليلها الآن وبعد أن قام الوزير بتقديم استقالته.

معركة " التحرير" التي خاضها بسام زكارنة، حاول أن يخوضها في أكثر من جبهة وفي أكثر من مناسبة وضد وزراء وشخصيات أخرى، وكان يحصد الفشل تلو الفشل، الى أن "اصطاد" بصنارته الدكتور مجدلاني، حيث سيعيش على نشوة هذا الانتصار "وتحرير" وزارة العمل، فترة من الزمن ليعود الى البحث عن "ضحية أخرى أو كبش فداء آخر، وهكذا.

عندما نقول بأن الأمر كان مرتبا ومدبرا وممنهجا، فلأننا لا نعتقد بان السيد زكارنة يعيش في كوكب معزول عن العالم، وان لا أحد في البلد "يمون" عليه، وبحسب ما نعرف " وهذه معلومات وليس تحليل"، فانه وبعد ان تم إصدار البيان الأول وطلب الاعتذار، تم الاتصال من خلال "وسيط" إذا جاز التعبير، بالسيد زكارنة من اجل إبلاغه موافقة الوزير على تقديم الاعتذار، وتم عقد اللقاء مع السيد زكارنة، والحديث بشكل مطول في الموضوع، ووافق على ذلك، لا بل خرج سعيدا من ذلك الاجتماع، ومن اجل استكمال الموضوع، تم الاتفاق على ان يتم عقد جلسة أخرى مسائية من اجل إنهاء الموضوع وتسليمه الاعتذار مكتوبا مع قرص مدمج بصوت الدكتور يعلن فيه اعتذاره.

ما حدث بعد ذلك وبعد ان كان موافقا "وسعيدا" بما تم التوصل إليه، لم يأت الى الاجتماع المتفق عليه، وصار يتهرب الى ان انتهى الليل بدون التمكن من الاجتماع به، وخرج في اليوم التالي على الناس ببيان جديد ذهب فيه الى ما هو ابعد من الاعتذار،لا بل أدان الاعتذار على اعتبار ان الوزير من خلال هذا الاعتذار لن يستطيع خداع الجماهير، وخاطب الجمهور بلغة فيها من التحريض ما يدعو الى التساؤل، هل كان هنالك تحريض من جهة ما قامت بتأليب السيد زكارنة على التراجع وعدم قبول الاعتذار، ومن كان وراء الخطوات التصعيدية في اليوم التالي، أسئلة كثيرة لا بد من الإجابة عليها.

على كل حال، يمكن القول، مبروك للسيد بسام زكارنة ولكل الموظفين الذين خرجوا مستعرضين حاملين "بطاقاتهم الحمراء" ضد الوزير مجدلاني، ونحن نعلم علم اليقين، ان في ضمير كل واحد من هؤلاء وفي قلبه وذاكرته ليس فقط بطاقة حمراء، بل ملفات حمراء ضخمة مليئة بالفساد ليس المالي فقط لا بل والأخلاقي، كما وملفات ضخمة لها علاقة بعدم الشفافية والاعتداء على أراضي الدولة والمال العام، ضد كثير من الناس في الهيئات القيادية العليا، فأين هؤلاء حملة البطاقات الحمراء من كل هذا الذي يوجد في ضمائرهم ولا يجرؤون على البوح به. أم ترى هي ثقافة التعصب والكيل بمكاييل عديدة وليس فقط بمكيالين.

في محافظتين شمال الضفة الغربية قررت الهيئات القيادية لأحد الفصائل هناك "منع الدكتور مجدلاني من دخول تلك المحافظتين" هل أصبح الوطن مزرعة، أم سوف نعود الى سياسة حكم الاحتلال العسكري عندما كان يقرر منع المواطن الفلسطيني من دخول مدن الضفة والقيام بإغلاقها، لكن هذه المرة بأيد فلسطينية، ومن يخول مثل هؤلاء اتخاذ هكذا خطوات سوى انهم يشعرون ان "الوطن" ليس سوى مزرعة لهم ولفصيلهم، وان الباقي هم عبيد وأقنان، الى متى تبقى مثل هذه العقلية تتحكم في تصرفاتنا ومواقفنا. وأين كانت هذه الحمية في كثير من المواقف وضد كثير من الشخصيات التي "هلكت البلد" فسادا وإفسادا، الم تخرج الجماهير في واحدة من تلك المحافظتين، لاستقبال من كانوا سببا رئيسا في حرب الإخوة في غزة، الم تجر علينا مثل تلك الشخصيات مصائب لا زال الوطن والمواطن يعاني منها ويدفع ثمنها، أم هؤلاء يمكن ان يمارسوا كل أنواع البلطجة فنحاول اتقاء شرورهم أو ربما نتفق معهم بها.


سوف يحتفل القائد زكارنة الليلة بهذا "الانتصار" في هذه المعركة الخالدة، وسيشرب الأنخاب " المقصود هنا عصائر وشاي وقهوة" انتشاء بالفوز المؤزر، كما سيبدأ من كان صامتا او مؤيدا او محرضا او مستكينا ومتآمرا، سيبدأ بتجهيز نفسه لاستلام الوزارة التي تحررت من معالي الوزير مجدلاني، وسوف ينام هؤلاء وهم يمنون النفس بمنصب الوزير الجديد ولقب صاحب المعالي.

الكلمات "المقززة" التي تحدث بها الوزير، كانت مجرد كلمات، ويعلم الجميع ان ما يقال وما يتم إطلاقه من ألفاظ يفوق هذا الذي قاله الوزير بعشرات المرات، وهي كما قال احدهم "مجرد لغوة تلغى" ولا يقصد بها أي شيء، لكن من الواضح ان هنالك من رأى انه "لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم". ومن هنا طالب "برأس الوزارة" في الحقيقة وليس الوزير.

على أية حال، نود هنا ان نقول بأنه يكفي وزير العمل فخرا انه كانت لديه الشجاعة الكافية بان يعتذر أول مرة قبل سفره، وانه تصرف كقائد شجاع، وعندما أصرت نقابة الموظفين على ان "مثل هذا الاعتذار لن ينطلي عل احد" لم يتردد الدكتور مجدلاني بأن يعتذر مجددا وان يقدم استقالته، هذه الخطوة التي وبحسب ما نعلم لم يقدم عليها أي كان في التاريخ السياسي الفلسطيني الحديث.

التحشيد والتحريض الذي لاحظناه في قضية وزير العمل، لم نره في الكثير من المواقف التي هي بدون شك أكثر أهمية وهي مفصلية أكثر من هذا، إلا اننا لم نر مثل هذا الحماس الذي رأيناه في موضوع الدكتور مجدلاني، وهذا بحد ذاته يدعو الى التساؤل والاستهجان ويدلل كما تمت الإشارة على وجود أجندات سياسية وفصائلية وثأرية.

على العموم، يكفي الدكتور مجدلاني فخرا انه قام بعبء وزارتين في ذات الوقت خلال الفترة الماضية، وانه استلم منصب وزير في مرات عديدة وكان يخرج من كل وزارة تاركا بصماته بكل قوة، وهو لم يخرج بأية قضية لها علاقة بالفساد وأكل المال الحرام او المحسوبية او الأخلاقية.

نقول للوزير ان الشاعر العربي قال:

كم هز جذعك قزم كي ينال به فلم ينله ولم تقصر ولم يطل
وكم سعت نكرات كي يكون لها ما ثار حولك من لغط ومن جدل

.

رشيد شاهين
(103)    هل أعجبتك المقالة (113)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي