أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

في حوار مع نضال نعيسة IPS:عقوبة الإعدام تعزز مصالح أنظمة الاستبداد

أجرى الأستاذ عبد الرحيم العوالي مراسل وكالة أنباء إنتر برس سيرفيس IPS في شمال أفريقيا "خدمة الصحافة البينية، حواراً مع الكاتب نضال نعيسة حول عقوبة الإعدام، .
والوكالة تأسست سنة 1964 و هي إحدى وسائل الإعلام المملوكة لجمعية آي بي إس التي تملك وسائل إعلام أخرى عديدة غير وكالة الأنباء. و تتم إدارة جميع وسائل الإعلام هذه من خلال 36 شركة
وفيما يلي نص الحوار بعد أن ترجم بشيء من التصرف إلى اللغة الإنكليزية.

http://www.mudprox.info/index.php?q=aHR0cDovL3d3dy5pcHNuZXdzLm5ldC9uZXdzLmFzcD9pZG5ld3M9NDAzMDU%3D

رابط الحوار كما نشر باللغة الإنكليزية في الموقع.

1 ـ باعتباركم من المناهضين لعقوبة الإعدام، كيف ترون عمل الحركة المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام داخل سوريا؟
في الحقيقة لا يوجد هناك حركة مؤسسية وفكرية واضحة المعالم تعمل بشكل دؤوب لإنهاء هذه العقوبة، وتتخذ الجهود عموماً طابعاً فردياً في أغلب الأحيان. فمؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب المستقلة، والهيئات والجمعيات العامة المستقلة الأخرى، شبه مغيبة ولا تعمل إلا في أضيق الأحوال وأندر المناسبات وهي كما تعلم المنوط بها عادة بالقيام بهذا النوع من النشاطات وإن كان هناك تيار رسمي غير ظاهر الملامح ينحو باتجاه وقف هذه العقوبة الهمجية ولا تملك تلك الجماعات والأفراد سبل وأدوات الضغط المناسبة لوقف هذه العقوبة إن وجدت، وهي الآن ضئيلة ولا تطبق إلا في حالات نادرة جداً. هناك، ولا شك، نية سورية للانخراط في العولمة ومواكبة التغييرات الجذرية التي تجري على الساحة الدولية ومنها تطبيق مواثيق الأمم المتحدة ولاسيما إلغاء عقوبة الإعدام كون سوريا من الأعضاء الموقعين على هذه الوثيقة. المشاكل الإقليمية الضاغطة تعيق العمل أحياناً نحو تحقيق انفراجات على هذا الصعيد أو ذاك إلا أنني أستطيع أن أؤكد بأن هناك نوايا جدية لتفعيل المطالبة بإلغاء هذه العقوبة وعدم تطبيقها إلا في أضيق الحالات النادرة.

2 ـ في سوريا هناك قانون يعاقب بالإعدام كل من ينتمي إلى تنظيم "الإخوان المسلمين". هل يعني هذا أن أي تنظيم سياسي معارض آخر قد يصدر ضده قرار مماثل؟

أعتقد أنك تشير إلى القانون رقم 49 لعام 1980 الذي صدر بعد المواجهات الدامية بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام في سورية في أواخر السبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي . لقد كانت هناك أسباب خاصة جداً لصدور ذاك القانون الذي لا نريد أن يكون موجوداً في سورية ولا في أي مكان ف العالم فنحن ضد القتل وإزهاق الروح البشرية على الإطلاق. وكنت أنا وبكل تواضع وهذا نابع من وجدان صادق وإيمان حقيقي وواجبي كناشط حقوقي وإنساني ومبادئي الأخلاقية، أحد الموقعين على عريضة تقدمت بها الجماعة لإلغاء هذا القانون. ومع ذلك نكرر بأنه كان هناك أسباب لصدوره ولوقف حملات العنف الدموية التي سادت في تلك الفترة والتي كان لها عواقب وخيمة وسلبية على الوضع العام في سورية ما نزال نعيش تداعياته حتى اليوم. ومن الجدير ذكره أن هذا القانون شبه موقوف حالياً ولا يعمل به على الإطلاق، ومعطل تماماً لجهة تطبيق تلك العقوبة القاسية. وجميع الأحكام التي تصدر اليوم بالإعدام تخفض إلى 12 سنة أو ربما أقل من ذلك وترتبط بسلسلة من الإجراءات والمراجعات القانونية المعقدة ولا تصدر هكذا جزافاً وبشكل تعسفي. ربما كان هناك وفي السابق بعض التعسف أما اليوم فالمحاكمات علنية والأحكام تصدر وتعمم في وسائل الإعلام المختلفة وتنشر على الملأ ولكن هذا لا يعني بالضرورة بأننا نقف في أي حال من الأحوال مع هذا القانون ونطالب بإلغائه على الدوام. كما نطالب في نفس الوقت من الجماعة الإسلامية إياها أن تتخذ خطوات ملموسة على الأرض لتعديل خطابها وبرامج عملها وبنيتها الفكرية نحو الانخراط وطنياً في المجتمع السوري بعيداً عن النزعات الفاشية والعنصرية والأممية الإسلامية الجوفاء التي تميز أسلوب وفكر الجماعة وعدم إعطاء الذرائع لأي كان ليكون له مواقف متشددة منها. فالمطلوب من الجماعة أكبر في الحقيقة مما هو مطلوب من النظام. ولا أعتقد أن أي تنظيم سياسي سوري تعرض أو قد يتعرض لإجراءات مماثلة طالما أنه يعمل وفق الأساليب التنظيمية والقانونية والدستورية المعمول بها ولا يتخذ من العنف والتعبئة العنصرية والمذهبية والتمييز العرقي والديني سبلاً لتحقيق مآرب سياسية وهو وبكل أسف ما مميز سلوك الجماعة خلال فترة من فترات عملها، غير أنها تحاول اليوم ممارسة نوع من الاعتدال والمرونة الخطابية التي لم تعقبها إجراءات واقعية وملموسة على الأرض كأن تفتح باب الانتساب مثلاً لكل أطياف المكونات السورية، إذ تقتصر العضوية اليوم في الجماعة على المواطنين السوريين السنة، وآسف جداً لاستخدام هذا التعبير غير الوطني والحضاري والإنساني، وهو ما يعتبر سلوك عنصري في نظر كثيرين، ولم تسمح للمرأة بتبوء مراكز قيادية وبمشاركة أكبر في "الولاية"، ولم تتبرأ من فتاوى إحلال الدماء والتكفير التي تسيء كثيراً لفكر الجماعات الإسلامية وتنبذ العنف وكل أشكال الاستئصال الموجودة في تراث وبنية هذه الجماعة الفكرية.

3 ـ ترتبط عقوبة الإعدام في عدد من القوانين السورية بالتعامل مع "العدو" في إشارة إلى إسرائيل. هل يعني هذا أن إلغاء عقوبة الإعدام في سوريا مرتبط ـ جزئياً على الأقل ـ بحل الصراع السوري الإسرائيلي خصوصا و الصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام؟

إلى حد ما هناك ارتباط وثيق بين قوانين الطوارئ المطبقة في سوريا وحالة الصراع المزمن مع إسرائيل. هذه العقوبة لجهة التعامل مع العدو موجودة تقريباً في كافة دساتير العالم وكثير من الدول والمجتمعات تنظر إليها على أنها خيانة عظمى تستوجب إيقاع أقسى العقوبات ضدها. لا شك بأن حل الصراع العربي الإسرائيلي سيؤدي إلى انفراجات وعلى صعد شتى ومنها الصعيد القانوني والدستوري ويمكن أن تتفرغ كثير من الجهود لإجراء تعديلات في القوانين المعمول بها لمواكبة أرقى القوانين في الدول المتطورة والاستفادة من خبراتها وتجاربها في هذا المجال وغيره وتسحب الذرائع من أي كان للاستمرار في تطبيقها تحت هذا البند وتعميمه على حالات أخرى .

4 ـ يستفيد مرتكبو "جريمة الأخذ بالثأر" في سوريا من ظروف التخفيف و عدم إنزال عقوبة الإعدام بهم. ألا يمكن أن نعتبر القانون السوري فيما يتعلق بجريمة "الأخذ بالثأر" يشجع على إفشاء ثقافة القتل، أي على عقوبة إعدام خارج القانون؟

هناك الكثير من القوانين في سورية،/ وغيرها في المنطقة، ترتبط بالأعراف وبالتقاليد التي تأتي من التراث والتاريخ و يغلب على بعضها الطابع القبلي والعشائري الذي تنحدر منه هذه المجتمعات بشكل عام. ومن هنا راعى المشرع أحياناً تلك الاعتبارات بسبب قوة الضغط المعنوي والتجاوب والأصداء التي تلقاه في المجتمع. ولكن هذا لا يجعل منها وبرأيي شرعية وقانونية وتتماشى مع المعايير الإنسانية والدولية وشرعة الأمم المتحدة ويجب أن ينال كل مجرم نصيبه جراء ما اقترفت يداه من العقوبات المنصوص عليها في القوانين والتشريعات الدولية الحديثة، وحتما عقوبة الإعدام ليست من ضمنها. نعم إن هذا القانون جائر وغير شرعي على الإطلاق ويشجع أيضاً على ارتكاب المزيد من جرائم القتل تحت راية الأخذ بالثأر. لكل جريمة ظروفها ولا يجب أن يؤخذ أحد بجريرة آخرين وتزهق لذلك أرواح بريئة وهناك في القرآن آية واضحة تذهب بهذا الاتجاه:" ولا تزروا وازرة وزر أخرى". يجب أن يحاكم مرتكب أي جريمة قتل، ومهما كانت دوافعها وفق المعايير القانونية المعمول بها. هناك ما هو أخطر من الأخذ بالثأر في مجتمعاتنا وهي جرائم الشرف وهي نوع آخر من تطبيق عقوبة الإعدام بشكل ذاتي وفردي وخارج نطاق المحاكم والقانون وهو إن ما شاع في المجتمع سيؤدي إلى الانزلاق نحو شريعة الغاب، والتي تزهق فيها أرواح النساء، ومجاناً، لمجرد الاشتباه، أو القيام بلقاء بريء ودون التأكد من حدوث واقعة الزنا. وهناك الكثير من الفتيات البريئات ذهبن ضحايا لقوانين المجتمع القبيلة والعشائرية الجائرة. يمكن القول أن هناك ازدواجية واضحة وقانونين يعملان بالتواز وبوقت واحد القوانين القبيلة والعشائرية وبعضها مستمد من الشريعة والقوانين الوضعية الحديثة التي تبدو ضعيفة جداً أمام الأولى.

5 ـ في ظل استمرار قانون الطوارئ في سوريا، هل هناك مجال حقيقي لعمل المجموعات المناهضة لعقوبة الإعدام في سوريا؟

كما أسلفنا سابقاً إن وجود قانون الطوارئ وتغييب مؤسسات المجتمع المدني وإحباط ومنع المبادرات الفردية والتدقيق والتوجس الأمني من أي حراك مجتمعي أو فردي يعيق ولا شك تشكل قوى ضغط عامة في المجتمع تعمل لتطوير وتغيير الكثير مما يتوجب تغييره ولم يعد صالحاً ولا ملائماً على الإطلاق ولا يتناسب مع طبيعة التحولات الكبرى التي تشهدها المجتمعات الإنسانية. في قانون الطوارئ إن أي تجمع ولأكثر من شخصين يمكن أن يكون تحت طائلة المسائلة والعقوبة والتجريم، وهذا ولا شك يعيق أي عمل لإحداث أي تغيير ويضع أي شخص تحت المساءلة والاستجواب بتهمة انتهاك قانون الطوارئ وإن كان هناك في الحقيقة تخفيفاً على كثير من بنود هذا القانون حالياً وهذا ما نلمسه من خلال نشاطاتنا المتنوعة في الشأن العام.

6 ـ إذا أقدمت دولة عربية على إلغاء عقوبة الإعدام مستقبلاً، هل ترون أن ذلك سيكون له تأثير على باقي الدول العربية بشكل عام، و على سوريا بشكل خاص؟

لا أعتقد ذلك. فالدول العربية تتشابه في كثير من السمات في النوع ولكنها قد تختلف في الدرجة والشدة. هناك دول عربية تتسم بنوع من الانفتاح والمرونة في قوانين الأحوال الشخصية باتجاه التحديث والعصرنة واللبرلة والإفلات من قبضة الموروث كتونس مثلاً، غير أن دولاً كثيرة ما تزال تحكم وبقبضة من حديد وفق أشد الرؤى تزمتاً وانغلاقاً وقسوة، ولا تسمح بأي نوع من الانفتاح ومهما كان وتنظر إليه شزراً وبارتياب. سورية وبحكم تنوعها الإثني والعرقي والديني، وانفتاحها التاريخي على التيارات العولمية والفكرية وقربها من الشمال الأوروبي قد تكون مهيأة بشكل أكبر من غيرها لتقبل أية أفكار نهضوية وحداثوية وتنويرية لكن يجب أن يترافق ذلك مع حملة توعية عامة وشاملة تقوم بها كافة فعاليات المجتمع المختلفة. غير أن أي تغيير في أي دولة عربية سيكون له، ولو بشكل ضئيل، أثر على دول الجوار وهذه هي سنة الكون والتاريخ التأثير والتأثر بالآخر، وحركة التاريخ متصاعدة وسائرة نحو الأمام باتجاه النشوء والارتقاء وحتى لو كان بطيئاً في بعض الأحيان.

7 ـ تستند مرجعية الإعدام في العالم العربي و الإسلامي على الدين الإسلامي. هل ترون أن للدين دورا فعلياً في هذا؟

معظم دساتير الدول العربية، ولاسيما المادة الثانية منها تشير إلى أن الشريعة الإسلامية هي إحدى مصادر التشريع إن لم تكن الوحيدة على الإطلاق. الإعدام والقصاص والرجم والجلد موجود كما هو معروف في كثير من النصوص المقدسة وينطلق من فكرة تحقيق العدالة والأخذ بالثأر كما أسلفنا سابقاً "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب". "العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم" هو أيضاً قانون قبلي وعشائري ومعمول به على نطاق واسع ولا يجد أي مناهضة أو استنكار لتطبيقه بل ربما رضا وقبول واستحسان. فالبنية المعرفية والفكرية والإيديولوجية والعقل الجمعي العام يتقبل هذه الثقافة وقد يعارض في مراحل معينة رفعها أو العمل بها فالمهمة ليست سهلة كما ترون على الإطلاق وهي مرتبطة إلى حد كبير بالموروث الديني الذي يحدد بشكل عام السلوك العام والفردي في هذه المنطقة.

8 ـ إذا صدرت فتوى من المرجعيات الدينية الإسلامية بعدم شرعية عقوبة الإعدام من الناحية الدينية، هل ترون أن مضمون هذه الفتوى سيكون ملزماً للأنظمة السياسية في العالم العربي و الإسلامي؟

أولاً لا يمكننا الانطلاق من فرضيات غير صحيحة. فهذه المرجعيات كانت على الدوام في خدمة الأنظمة السياسية والسلاطين ورهناً لإشارتهم وتحت أمرتهم. ولا يمكن، في ضوء ما هو سائد ومعمول به ومتعارف عليه، لأية مرجعية دينية في العالم الإسلامي أن تصدر أية فتوى تتعارض مع النص لأنها ستتعرض لسيل من الانتقادات والتهجمات وتهم التكفير والتخوين ولقد واجه هذا الأمر كثير من المصلحين الإسلاميين والتنويريين على مر التاريخ الإسلامي لمجرد أن فكروا بالخروج من أغلال النص المقيدة. الجميع مقيد بالنص المقدس ولا يستطيع ولا يجرؤ على التحلل والإفلات منه بناء على رغبة في التحديث والتغيير فشيمة هذه المرجعيات هي الستاتيكية والتمسك بالموروث وإغماض العينين عن كل ما يجري من تحولات على الصعيد العالمي. ولم نر في التاريخ أن قامت هذه المرجعيات بمبادرات ذاتية لتطوير البنية الفكرية لهذه المجتمعات بل عملت على تكريسها وبالإكراه أحياناً كثيرة. ولكن العكس يمكن أن يحصل كأن تقوم السلطات السياسية بالطلب من هذه المرجعيات أن "تفصل" وتفبرك لها أي فتوى تناسب حالة ما تصب في خدمة النظام السياسي فتفعل المرجعية ذلك على الفور وهذا ما مميز تلك المرجعيات وعلى الدوام. وهذا يحدث كثيراً وقد كان الفقهاء عبر التاريخ مطية للساسة وينفذون ما يريدون فالأمر هنا بيد الساسة وليس الفقهاء وهم من يحدد أو لا يحدد شروط اللعبة. ومادام الوضع الفكري والمعرفي الراهن بتركيبته الحالية يخدم وجود وبقاء الأنظمة فلا مانع من المحافظة عليه إلى أجل غير مسمى. وتاريخ المنطقة هو تاريخ تحالف وثيق بين الجانبين وهذا سر استمرار الجانبين بنفس الطريقة والأسلوب حتى الآن. نتذكر هنا قول أحد خلفاء بني أمية حين أتته البشرى بتولي مقاليد الحكم خلفاً لأخيه المقتول فطوى القرآن الذي كان يتلوه بين يديه، وخاطبه قائلاً: " "لقد انتهى عهدي بك الآن". الأنظمة السياسية وتاريخياً لم تكن ملتزمة بالنص إلا فيما يخدم استمرارها وكان النص في خدمتها وتحور وتتحايل عليه بأشكال شتى وتجيره لصالحها. وعقوبة الإعدام كإرهاب سياسي يصب في خدمتها وقد لا يكون لها مصلحة في إلغائها حاليا في ظل الظروف الاستبدادية المعروفة، ولذلك لا أمل في صدور أي فتوى من ذاك القبيل على الإطلاق.

(65)    هل أعجبتك المقالة (59)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي