أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

قرار البرلمان العراقي غير المتوازن في الرواتب الأسطورية .. مصطفى محمد غريب

مقالات وآراء | 2011-08-25 00:00:00
هناك الكثير من أدوات الفساد المُشَرعة تتحكم في الكثير من مفاصل الدولة وتلعب أدواراً متنوعة في تفشي التجاوز على المال العام وعلى مقدرات البلاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وعند الطعن فيها وانتقادها تجابهنا الأصوات بأنها مُشرعة من قبل سلطات الدولة الثلاث وفي مقدمتها السلطة التشريعية وتطالبنا باسم ديمقراطيتهم باللجوء إلى هذه المؤسسات للتعديل والتشريع لكن هذه السلطات تعيد الكرة بقرارات تعيد تشريعها بطور جديد لا يختلف عن جوهرها القديم وهذا ما حدث لقرار البرلمان الجديد في قضية تخفيض رواتب الرئاسات الثلاث فبعد التي واللتية كان التخفيض غير المتوازن عبارة عن نكتة مبكية وغير صالحة للسماع وللقراءة .
لن الجأ للمقارنة بين رواتب مسؤولين كبار في دول أخرى مثل رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء أو نواب البرلمان أو أية تسمية ثانية وبين مسؤولين عراقيين كرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء ورئيس النواب والنواب لكثر ما كتب عن ذلك من مقارنات وفروقات تدير العقل وتدعو للاستغراب ثم إلى الغضب والاستهجان وفي أكثر الحالات السخرية وإطلاق النكات عند الحديث عن الزهد والنزاهة في زعماء أحزاب الإسلام السياسي وبخاصة في وضع العراق المأساوي الذي يحتاج إلى التضحية والإخلاص ونكران الذات ولاسيما يجري الحديث هنا عن من يدعي بالوطنية وبناء الوطن، فبناء الوطن لا يمكن أن يقارن بهدر المال العام ولا بالرواتب الخيالية والمخصصات الفضائية ودفع المواطنين للبناء والتفاعل في المشاركة وهم يعيشون الكفاف ولا يمكن أن يكون من خلال نسب البطالة غير الطبيعية والغلاء الفاحش للأسعار ونسب عالية من الفقر الذي يدفع للجريمة المنظمة وغير المنظمة، ولا يمكن إنجاز المشاريع الخدمية والسكنية والصحية والتعليمية عند المقارنة مع البذخ والفساد المنتشر كالسرطان في جميع مرافق الدولة، وبما أن الفساد ( أرجو عدم الغضب مني ) أصبح عماد الرواتب وهي سياسة استخدمها الحاكم الأمريكي بريمر في رشوة البعض من السياسيين فلن أتعكز على اعتراف النائب عن التحالف الكردستاني محمود عثمان بأن رواتبنا \" عبارة عن فساد ( شرعي ) فضلاً عن تصريحات لنواب آخرين يقرون هذه الحقيقة ومن منطلق فساد الرواتب ننطلق لرؤيا الوضع الذي نشأ بعد السقوط والاحتلال وما قام به البرلمان مؤخراً من اتخاذ قرار أحبط كل المطلعين والعارفين ببواطن الرواتب والمخصصات العالية مبني على مصلحة الفرد الذاتية وبالضد من مصلحة المجتمع الجماعية وكما قلت ابتعاداً عن المقارنة نتوسل لمفهوم لماذا يمانع البرلمان من التعديل الصحيح والمسؤول باعتباره يمثل الشعب المغلوب على أمره الذي يعاني من صعوبات جمة ورواتب موظفيه وعماله ومستخدميه تعد صفراً أمام الرواتب الكبيرة التي يحصل عليها المسؤولون الكبار فضلاً عن مخصصاتهم التي لا تقل ضخامة عن رواتبهم، وبدلاً من الإصلاح والتعديل الصحيح استمر الإصرار على الفساد في الرواتب ورفض البرلمان التخفيضات العالية لكبار المسؤولين ولا سيما في رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ورئاسة البرلمان وأعضائه فقد اكتفى المجلس ( ب 23% ) بدلاً مما طرح عليه ما بين ( 80 و 40 % ) وهو مطلب جماهيري الذي ينتقد الإنفاق غير المسؤول، وهذا حسب الدراسات والاستنتاجات يستنزف حوالي ( 21% ) من الموازنة التشغيلية في البلاد وعند التدقيق في الطلبات التي طالبت بتخفيضات قدرها ( 50 ) مليون دينار عراقي فكان التنفيذ وفق قرار مجلس النواب الذي اقتصر على ( 12 مليون وكأنه كما يقال المثل نقطة في بحر بالمقارنة بما خفض وبين الرواتب الباقية ل ( 42 ) وزيراً وثلاث نواب لرئيس الحكومة ونائبي رئيس المجلس النيابي و أعضاء مجلس النواب فضلاً عن المدراء العامين التي تقدر رواتبهم أكثر من ( 17 مليار دينار ما يساوي تقريباً 15 مليون دولار )
إن الرواتب والمخصصات والمكافآت الضخمة هي استنزاف حقيقي للموازنة التشغيلية، وعندما يصرح أكثر من نائب ومسؤول بأنها تمثل الفساد لكنه شرعي بحكم إقراره والموافقة عليه من قبل المسؤولين في الدولة فهذا معناه ازدواجية في المعايير عند الرئاسات الثلاث والنواب وكبار المسؤولين، فمن ناحية يتحدثون عن مصالح البلاد وما يعانيه أكثرية المواطنين العراقيين ويبكون بدموع غزيرة تمويهاً عليه وعلى حاله، ومن ناحية ثانية يتمسكون بمصالحهم ورواتبهم التي لا يمكن أن تقارن بأي رواتب عالية في بلدان أخرى، وعند الحديث عن ضرورة تشريع سلم للرواتب معقول ومتوازن بدلاً من المتداول في الوقت الحالي يشيحون بإبصارهم وعقولهم عن الطلب وبدلاً من القبول به وتخفيض الرواتب العالية وزيادة الرواتب المنخفضة للعاملين في الدولة وغير الدولة فإنهم دفعوا بواسطة ممثليهم وممثلي كُتلهم في البرلمان على إصدار قرار غير معقول بتخفيض غير محسوس وهكذا استطاعوا أن يمرروا تشريع البقاء على الرواتب والمخصصات والمكافآت الضخمة وتخفيضها 23% فقط وهي نسبة لا تستحق عناء المطالبة الشعبية بالتخفيض ومع أن التخفيض هو سلم واحد من سلالم الفساد الشرعي فلا بد أن تصحبه سياسة توازنية لتقليص البطالة المتفشية التي تنهك مئات الآلاف من الأسر العراقية المحتاجة.
كيف يمكن لدولة أن تقوم على العدل والقانون في ظل عدم وجود رقابة حقيقية ومسؤوليات وطنية تحافظ على مصالح البلاد وتهتم بشؤون الشعب وبخاصة الطبقات والفئات المحتاجة والكادحة وكبار المسؤولين في الدولة يتمتعون بعدة ميزات من الرواتب والمخصصات العالية إلى الهيمنة على القرارات وإخضاعها لمصالحهم الحزبية التي تهدف إلى البقاء على الحالة التي يرثى لها واستغلال ما يمكن استغلاله وبصورة فلكية سريعة وكأن كل واحد منهم يعد الأيام قبل الشهور للحصول على المكاسب قبل تركه المنصب والكرسي وليحترق الأخضر بسعر اليابس ما دامت مصلحته هي الشأن الأعلى التي يجاهد جهاداً مستميتاً للحفاظ عليها ويقدمها على المصلحة العامة، ومن هذا المنطلق فهل من المعقول أن يقوم المجلس النيابي بتخفيض الرواتب لا لمصلحة أعضائه والرئاسات الثلاث بل لمصلحة المجتمع؟ وهل من المعقول عدم تدخل الرئاسات بشخصياتها في اتخاذ القرار الضعيف الذي لا يلبي أدنى طموحات القوى الحريصة التي تسعى لتخليص العراق من آفاته والفساد المنتشر الذي يمنع تطوره كدولة حضارية يسود فيها القانون والنظام على أسس ديمقراطية حقيقية؟
إن قرار مجلس النواب بخصوص تخفيض الرواتب جاء ليعزز مفهوم الهيمنة والانحياز إلى جانب أصحاب الرواتب الخيالية المنافية لكل الأعراف المعمول بها في الدول الأخرى وبالضد من أصحاب الرواتب المنخفضة الذين كان من المفروض التوجه لزيادة رواتبهم في ظروف البلاد القاسية وهو اقل ما يقال عنه عضدهم ودعمهم لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية.


التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
مقتل لبناني وجرح 4 آخرين برصاص قوات الأسد في جرد "الطفيل"      احتجاجات حاشدة لـ"السترات الصفراء" في باريس      وكالة: تركيا ترسل أطباء إلى الحدود استعدادا لتوغل عسكري في سوريا      نصر الله مهددا السعودية والإمارات.. الحرب مع إيران تعني تدميركم      "ملكة الفوعة وتلميذ بنش" رواية تتحدث عن الحب في زمن الحرب      الإعصار "لورينا" يجتاح خليج كاليفورنيا      شالكه يهزم ماينتس ويتقدم للمركز الثاني في الدوري الألماني      يونيسف: أكثر من 29 مليون طفل ولدوا بمناطق الصراع العام الماضي