أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

ترنح الرأس الأمريكي فانهارت الدمى .. محمد جمول

مقالات وآراء | 2011-02-23 00:00:00
ليس مفاجئا أن يشعر كثير من أبناء المنطقة أنهم أمام عدد محدود من الحلول لمشكلاتهم: إما حرق أنفسهم ليكونوا صرخة توقظ ضمائر الآخرين كما في حالة محمد البوعزيزي في تونس أو تفخيخها لقتل ما تيسر من الأبرياء والعابرين كما في حالة الاصوليين المتطرفين الذين استمرأوا هذا السلوك، أو العيش في حالة من الخنوع والذل. فبدت المنطقة وكأنها استسلمت للجنون والعبث واليأس.
أمر طبيعي أن يكون هذا هو الحال في وقت يقف الجميع
أمام قوتين قاهرتين ساد الاعتقاد طويلا باستحالة قهرهما أو مجابهتهما، وكأنهما قدر مكتوب لا يمكن تغييره: قوة استبداد الأنظمة الحاكمة في الدول العربية وقدرتها على فعل ما تشاء من دون اعتراض أو مقاومة، وقوة العدو الخارجي، ممثلة بقوة إسرائيل والغرب الداعم لها. ومما زاد الإيمان بقدرة هاتين القوتين ما كان بينهما من تواطؤ وتحالف وتعاون جعلهما قادرتين على إحباط أية محاولة لتغيير هذا الواقع المتمثل بغياب الأمل وبؤس الواقع الذي تتساوى فيه الحياة مع الموت عند الغالبية العظمى من أبناء هذه الأمة.
هذه الحالة جعلت الغالبية ترضى بما تتعرض له من جوع ومهانة وقهر وغياب الحرية في منطقة يقر الجميع أن شعوبها لا تزال خارج العصر، ولا علاقة لها بالحياة الحديثة وما تشهده من تقدم على المستوى المعاشي والكرامة والحريات التي تليق بالإنسان. ولهذا كان مسلّما به أن هناك فئة محظوظة هي الوحيدة الجديرة بالحياة والكرامة والتعليم العصري، تلك الفئة التي شاءت الظروف أن تكون مقربة من رجال أي نظام حاكم في الوطن العربي. وهي وحدها التي تنعم بالثروة والسلطة وممارسة كل أشكال الفساد والظلم والنهب على حساب بقية أبناء الشعب.
مع حرب تموز 2006، وجدت المنطقة ذاتها أمام فتحة غير متوقعة في جدار اليأس القائم أمامها. وبغض النظر عن الوقوف مع حزب الله أو ضده، أدت تلك الحرب إلى انهيار جزء من الوهم الذي شكل كابوسا وقدرا لفترة من الزمن، وهو قهر القوة التي كان يُعتقد أنها لا تُقهر. وبغض النظر عن آراء الذين لا يريحهم الاعتراف بنصر المقاومة اللبنانية، شعر أغلبية أبناء المنطقة أن إراداتهم المدفونة في مكان ما يمكن أن تكون ذات فائدة، وأن دفنها كان خطأ كبيرا، وأن بالإمكان نفض الغبار عنها والاستفادة منها. فما دام بمقدور قلة من المقاتلين أن يلحقوا الهزيمة بأعتى قوة مدعومة من الدولة الأقوى في العالم ومعها الحكومات الغربية من دون استثناء، لن يكون من الصعب هزيمة عملاء هذه القوة المهزومة وحلفائها. وكانت هذه الإرادة بدأت تتكون مع اهتزاز صورة الغرب الاستعماري في العراق وأفغانستان، وظهور هشاشة قدراته العسكرية ونفاقه في ما يخص دعمه للحريات والديمقراطية في المنطقة. فقد انكشف الوهم، حتى لمن تحمسوا لحاملات الطائرات والصواريخ العابرة المحملة بالديمقراطية والحرية، وأدركوا أن كل ما يهم الغرب هو ضمان تفوق إسرائيل وتمكين الأنظمة المشاركة في حمايتها ونهب المنطقة. وكل ما يقال عن الديمقراطية والحريات ليس سوى أكاذيب بدليل الدعم المطلق لأعتى الدكتاتوريات والأنظمة المستبدة في المنطقة ما دامت تساهم في حماية إسرائيل.
لعل أهم المتغيرات في المنطقة كان انتصار تموز العام 2006 فقد تمكنت قوة صغيرة تكاد تكون غير مرئية من مواجهة قوة مجهزة لهزيمة كل جيوش الدول العربية في بضعة أيام. لقد تميزت هذه التجربة بالاعتماد على الإرادة والعقيدة وأسلحة بسيطة لم يكن يحسب لها حساب من قبل في مواجهة أحدث تكنولوجيا توصل إليها قتلة الشعوب في الولايات المتحدة وإسرائيل وغيرهما. فكان من الطبيعي أن تنتقل هذه التجربة إلى شعوب المنطقة، وأن يكون لكل شعب طريقته الخاصة في استخلاص العبر من هذه التجربة والاستفادة منها. وكان أول تطبيق لهذا الدرس في غزة التي صمد أبناؤها بأجسادهم في وجه وحشية لم يعرفها التاريخ، وهم يعانون من حصار الأشقاء وغدر بعضهم.
بعد الذي شهدناه في كل من تونس ومصر، وما هو منتظر في بلدان عربية أخرى، يمكن القول إن الشعوب تنبهت إلى أهمية إرادتها وقدراتها وإلى الأسلحة الخفية البسيطة التي يمكن استخدامها في إسقاط النصف الآخر من حالة الاستبداد العربية المكملة لاستبداد الدول الغربية الكبرى التي كانت ترى في كل ما يخدم مصالحها ونهبها للشعوب الأخرى عملا مقدسا يجب القضاء على كل من يقف ضده. وقد كانت الصورة الأخرى لهذه الهيمنة تأبيد حكام وأنظمة ترى في كل من يقف في وجه استبدادها وفسادها وتسلط أبنائها ورجالاتها خروجا على المقدس الذي لايجب المساس به. وهكذا كان كل من يحتج على إسرائيل وما تفعله من تدمير وقتل واحتلال يعتبر خارجا على القانون والشرعية الدولية. تماما كما تتعامل الأنظمة العربية مع من يرفع صوته في وجه فسادها وقمعها وظلمها وممارسة أبنائها المدللين الذين لا يجوز الاعتراض على ما يقومون به.
وهكذا لم يكن موقف السلطات التونسية، وغيرها في الوطن العربي، من محمد البوعزيزي مختلفا عن موقف الولايات المتحدة، ومجلس الأمن الذي تتصرف به تصرف المالك بملكه، من أي دولة أو جماعة تعترض على ممارسات إسرائيل. وكانت محاكم أمن الدولة والمحاكم العسكرية في البلدان العربية جاهزة دوما لتوجيه التهم الجاهزة ضد من يعترض على الممارسات الفاحشة لأي مسؤول عربي، تماما مثلما توجه تهمة العداء للسامية لكل من يحتج على الجرائم الإسرائيلية.

ومثلما فاجأت المقاومة اللبنانية والمقاومة العراقية والمقاومة في غزة العالم بسلاحها الخفي وإرادتها غير المرئية، عملت الشعوب على استخدام أسلحة لم تكن تخطر ببال الحكام الذين ناموا على وسائد الحرير إيمانا منهم أن ما جندوه من أجهزة أمنية وأسلحة عجيبة وأساليب قذرة يمكن أن تضمن لهم الخلود مثلما ظل الغرب الاستعماري وإسرائيل يعتقدان أن تفوقهما المطلق لا يمكن المساس به. وهكذا لم يكن مفاجئا أن تأتي هزيمة الأنظمة الحليفة للغرب عقب هزيمة المشروع الأمريكي في المنطقة. فقد تنبهت الشعوب إلى أهمية قدراتها الكامنة واكتشفت هشاشة الأنظمة المتحكمة بها بعدما رأت تلك المجموعات الصغيرة في العراق وجنوب لبنان وغزة تفعل ما لم يكن يخطر بالبال في مواجهة القوى الاستعمارية، فأدركت أن بإمكانها أن تفعل شيئا مماثلا في مواجهة الطغاة المتحالفين معها والذين تبين أنهم على قدر مذهل من الهشاشة والضعف.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
"لا بقينا إن بقيتم"..كتابات في درعا تتوعد إيران بشتاء قاسٍ      واشنطن: دعمنا لـ"قسد" مرحلي ومؤقت      بوتين يشيد بموقف ترامب في سوريا ويؤكد: ما لا يزال أمامنا الكثير من العمل بإدلب      الأمم المتحدة تؤكد تعرض 4 نقاط طبية للقصف خلال يومين      آليات عسكرية للأسد داخل قاعدة أمريكية سابقة في ريف الرقة      روسيا تسيطر على قاعدة جوية في "عين العرب" أخلتها القوات الأمريكية      المرجعية الشيعية العراقية ترفع سقفها وتؤيد المظاهرات وترفض التدخل الخارجي      قتلى للأسد شرق إدلب..وروسيا تنتقم بارتكابها مجازر بحق المدنيين (صور قاسية)