العنوان أعلاه، عبارة بليغة ومباشرة افتتح بها الزميل الحقوقي، الأستاذ عبد القادر تمراز، مداخلته في "صالون الجمهورية"، واختصرت بدقة واقع ماجرى خلال حلقة "الإستملاك" في صالون الجمهورية.
وتأسيساً على هذا الطرح، وسرده الموضوعي للمناخ السياسي والأمني الذي ولد في رحمه هذا الإرث التشريعي الجائر، أقول:
هل تعلم أن فترة صدور قوانين الاستملاك الكبرى في سوريا كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً وفورياً بفترة أحداث جماعة الإخوان المسلمين والحملة الأمنية عليهم؟
الكثير منا يسمع اليوم عن الاحتجاجات والمطالبات المستمرة في عدة محافظات، وخاصة في دمشق وريفها، لإلغاء إرث قوانين الاستملاك السابقة (مثل القانون 60 لعام 1979 وتعديلاته، والمرسوم 20 لعام 1983).
لكن لكي نفهم أبعاد هذه القضية بدقة، يجب أن ندرك أن هذه القوانين لم تصدر كخطط تنظيمية عادية، ولا للمنفعة العامة المطلقة، بل وُلدت في رحم المناخ الأمني الدموي وسحق الحراك المدني والعسكري في تلك الحقبة؛ حيث استُخدمت الترسانة القانونية كأداة عقاب جماعي وتغيير لهوية المدن والبلدات:
1- الحراك الشعبي والنقابي في دمشق (1979 - 1980): لم تكن العاصمة غائبة عن المشهد العام؛ بل شهدت بالتزامن مع تصاعد أحداث الشمال حراكاً شعبياً ونقابيّاً مدنياً واسعاً قادته النقابات المهنية الحرّة (المحامون، الأطباء، والمهندسون) للمطالبة بإنهاء حالة الطوارئ واستعادة الحريات، وتكامل هذا الحراك الشعبي مع إضراب شامل أُغلقت فيه أسواق دمشق التاريخية كـ "سوق الحميدية".
2- سحق العاصمة والاعتقالات الجماعية: جاء رد النظام سريعاً وحازماً لإنهاء هذا الحراك؛ فأصدر مرسوماً بـ حلّ جميع النقابات المهنية المنتخبة في نيسان 1980، وشنّت أجهزته الأمنية حملة اعتقالات مرعبة طالت مئات المواطنين والمحامين والأطباء والمثقفين والناشطين الدمشقيين، لتدخل العاصمة في حالة شلل وحصار أمني خانق أحكم قبضته عليها تماماً قبل أحداث حماة.
3- طوق الاستملاك والتوظيف الأمني العسكري:
• القانون رقم 60 لعام 1979: صدر في أواخر عام 1979 عقب تصاعد الصراع المسلح، واستخدمه النظام لتطويق الحواضر الكبرى ونزع ملكية مساحات شاسعة حولها (كما حدث في محيط مدينة حلب ومناطق التوسع في غرب دمشق كدمر وقُدسيا ومعضمية الشام)، لتتحول لاحقاً لجمعيات سكنية عسكرية تُحكم حصار المدن.
• الاستملاك العسكري في المنطقة الجنوبية (الكسوة ومحيطها): امتد ذات النهج بقسوة أكبر نحو المنطقة الجنوبية لدمشق كالكسوة وزاكيا؛ حيث انتُزعت مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية الخصبة من أصحابها الأصليين إما بوضع يد قسري، أو عن طريق الإستيلاء، أو بحجة "المنفعة العامة والدفاع"، لتقام فوقها كبرى الثكنات العسكرية ومقار الفرق الأمنية (كجبل المانع ومقرات الفرقة الأولى والرابعة والكتائب والوحدات العسكرية المتفرقة)، مما حرم عائلات بأكملها من مصادر رزقها التاريخية.
• المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983: صدر بعد نحو عام ونصف من سحق مدينة حماة عسكرياً في مجزرة 1982 التاريخية ليقونن "الأمر الواقع"؛ فجرى نزع ملكية أحياء كاملة هُدمت وسويت بالأرض (كحي الكيلانية والعصيدة في حماة)، وحُرم الأهالي والنازحون من العودة لأراضيهم وعقاراتهم التاريخية، وتم تطبيق ذات النهج في باقي المحافظات والمدن والقرى والبلدات في عموم سوريا.
4- التدمير الممنهج للملكية الخاصة:
لم تكن هذه القوانين وليدة الهوس الأمني فحسب، بل جاءت تطبيقاً لـ الفلسفة الاشتراكية الموجهة التي تبناها النظام آنذاك لمحاربة الملكية الفردية.
حيث جرى تجريد الطبقة الوسطى والنخب الإقتصادية المدنية من عناصر قوتها (الأراضي والمنشآت) لصالح القطاع العام والموالين والجمعيات الاستيطانية العسكرية.
وتحت شعارات "الاشتراكية" البراقة، تم سحق مفهوم الملكية الخاصة، وتحويل عجلة الاقتصاد من الإنتاج والتنمية الحرة إلى اقتصاد ريعي خاضع تماماً لسيطرة وأولويات المنظومة الأمنية.
هل كان يملك المالك وقتها القدرة على الاعتراض؟
من الناحية الفعلية والواقعية، لم يكن أحد يجرؤ على الاعتراض.
ففي مناخ رعب حكمه القانون رقم 49 لعام 1980 (الذي يعاقب بالإعدام كل من ينتمي للإخوان المسلمين)، كانت التهم جاهزة سلفاً.
كل من تسول له نفسه الاعتراض على مصادرة أرضه لصالح الحزب، أو المنشآت العسكرية، أو حتى من يُبدي أي تعاطف إنساني مع الأهالي المنكوبين في حماة أو المدن الأخرى، كان يُسحب فوراً إلى فروع المخابرات بتهم كيدية جاهزة:
- "التعاطف مع العصابات المحظورة"
- "الخيانة ومناهضة أهداف الثورة والاشتراكية"
- "تمويل تنظيمات إرهابية"
كانت هذه التقارير كفيلة بإخفاء صاحب العقار قسرياً أو إنهاء حياته، مما أجبر الغالبية الساحقة من الآباء والأجداد في الثمانينات والتسعينات على التزام الصمت وقبول خسارة جنى عمرهم حمايةً لأرواحهم وأرواح أبنائهم.
وجميعنا يعلم أن الفترة التي تلت أحداث حماة إلى بداية الألفية الجديدة، كانت فيها صلاة الفجر في المساجد تهمة بحد ذاتها، وتودي بحاضرها إلى حبل المشنقة، أو السجن لعقود طويلة في أقل تقدير.
اليوم، ونحن نعيش مرحلة تفكيك هذا الإرث ومع التحرك لإلغاء القانون 49 لعام 1980 في مجلس الشعب، يجب أن يدرك الرأي العام أن قضية الاستملاك ليست مجرد خلاف عقاري استثماري، بل هي ملف عقاب جماعي وهندسة ديمغرافية وعسكرية عمره أكثر من 40 عاماً، ولا يمكن إحياء المشاريع على هذه الأراضي دون رد الحقوق لأصحابها وجبر ضرر المتضررين بشكل عادل .
وبناءاً على ماسلف؛
" لاتجمّلوا تاريخ تلك العصابة، ولا تخلّدوها عبر تخليد قوانينها، والإبقاء على آثارها دون معالجة"
فالمظالم تورّث، والحقوق لا تسقط بالتقادم ولا بطول المدة الزمنية.
ولا برفع الحاجبين.
محي الدين الزيتاني

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية