عندما نحذّر من نقص الدولار في سوريا، فإننا لا نفعل ذلك من باب التشاؤم أو الاعتراض على الاستثمار، بل من خشيتنا من تداعيات اختلال التدفقات الدولارية على قدرة البلاد مستقبلاً على تمويل مستورداتها الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والمحروقات.
المسألة، ببساطة، تتعلق بكتلة نقدية من الدولار تخرج من البلاد، وأخرى تدخل إليها، لكن المشكلة تكمن في أن الكتلة الخارجة أكبر بكثير من الداخلة.
خلال الفترة الماضية، خرجت كتل مالية كبيرة لتمويل شراء السيارات، سواء للاستخدام الخاص أو الحكومي، فضلاً عن تمويل المستوردات، فيما يضاف إلى ذلك الطلب المتزايد على الدولار المرتبط بمشاريع التطوير العقاري. وهذه الأنشطة، على اختلاف طبيعتها، تطرح سؤالاً اقتصادياً أساسياً: من أين يأتي الدولار، وإلى أين يذهب، وما حجم ما يعود منه إلى الاقتصاد السوري؟
لا تكمن المشكلة في شراء السيارات أو استيراد السلع أو إقامة المشاريع العقارية بحد ذاتها، بل في كيفية تمويل هذه الأنشطة، ومدى مساهمتها في توليد تدفقات دولارية جديدة. فالدولار الذي يخرج لتمويل استيراد سلعة لا يعادل بالضرورة دولاراً يدخل إلى البلاد نتيجة نشاط إنتاجي أو تصديري. وكذلك فإن المشروع العقاري، مهما بلغت قيمته، لا يمثل مورداً جديداً للعملة الأجنبية إذا كان تمويله قائماً أساساً على جمع مدخرات السوريين بالدولار، من دون استقطاب رؤوس أموال خارجية جديدة.
من هنا، تبرز ضرورة وضع قواعد واضحة للاستثمار الأجنبي في سوريا، تضمن أن تسهم الشركات الأجنبية في إدخال رؤوس أموال من الخارج، بدلاً من الاعتماد على سحب الدولار من السوق المحلية لتمويل مشاريعها. فالهدف ليس عرقلة الاستثمار، بل ضمان أن يشكل رافعة للاقتصاد، لا عاملاً إضافياً في استنزاف السيولة الدولارية المحدودة.
ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر في مشاريع التطوير العقاري، حيث ينبغي أن تكون آليات التمويل واضحة، وأن تُدرس آثارها على السيولة المحلية، مع بحث إمكانية إلزام الشركات بضخ نسبة محددة من رأس مالها من الخارج قبل طرح المشاريع للاكتتاب وجمع أموال المواطنين، وفق ضوابط قانونية واقتصادية مدروسة.
لكن الجانب المالي ليس المشكلة الوحيدة. فثمة مسألة أخرى تتعلق بالشفافية، وهي التي تفسر جانباً كبيراً من الأسئلة والانتقادات التي تُطرح حول المشاريع الاستثمارية.
عندما تغيب الشفافية ولا تُعلن المناقصات بوضوح، تتسع مساحة الشكوك، وتظهر الأسئلة التي قد تبدو شعبوية للبعض. أما عندما تكون إجراءات الدولة معلنة، وشروط الاستثمار واضحة، وآليات اختيار المستثمرين معروفة، فإن مساحة الجدل تتقلص، وتصبح القرارات قابلة للفهم والمساءلة.
إن السؤال عن نتائج المشاريع لا يكفي وحده، ما لم يُطرح السؤال الأهم عن أسبابها وآليات إقرارها وتمويلها. فمن حق المواطنين معرفة كيفية منح العقود، وحجم الأموال الداخلة من الخارج، ونسبة التمويل المحلي، والعائد المتوقع على الاقتصاد السوري، ومدى مساهمة كل مشروع في توفير فرص العمل والإنتاج وتوليد النقد الأجنبي.
في النهاية، لا يمكن معالجة شح الدولار بمجرد تقييد الاستيراد أو التعويل على الاستثمارات العقارية، بل يتطلب الأمر تحقيق توازن بين التدفقات الداخلة والخارجة، وتشجيع الاستثمارات التي تولّد إيرادات بالعملات الأجنبية، وضبط استخدام الدولار في الأنشطة التي لا تسهم في تعويض ما تستنزفه منه.
المعادلة واضحة: سوريا تحتاج إلى استثمارات تُدخل الدولار وتُنتج القيمة، لا إلى مشاريع تتنافس على الدولار الموجود أصلاً في جيوب السوريين. ويظل وضوح الإجراءات وشفافية المناقصات والإفصاح عن مصادر التمويل شروطاً أساسية لبناء الثقة، وحماية الموارد النقدية، وضمان ألا تتحول الاستثمارات من فرصة للنمو إلى عبء إضافي على الاقتصاد.
لم نتحدث في المادة عن تهريب الدولار الناتج عن صفقات الفساد، في أكياس من الخيش عبر الحدود. هذا بحث آخر.
رئيس التحرير - زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية