أعادت عملية القبض على معراج أورال، المعروف باسم علي كيالي، فتح ملف شخصية ارتبط اسمها بميليشيا "المقاومة السورية" ومجازر البيضا ورأس النبع في بانياس عام 2013، بعدما رصدت "زمان الوصل" تحولات مساره من العمل المسلح في تركيا إلى نشاطه في سوريا، ثم ظهوره في واجهة وفد النظام البائد إلى مفاوضات سوتشي.
أعلنت السلطات السورية، الخميس 15 تشرين الأول 2026، القبض على علي كيالي، المعروف باسم معراج أورال، أثناء محاولته الفرار عبر الحدود، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية "سانا". ولم تحدد السلطات، في الإعلان الأول، موقع العملية أو الوجهة التي كان يحاول الوصول إليها.
ويأتي الاعتقال بعد سنوات من اتهام أورال بالمسؤولية عن مجازر ارتُكبت في مدينة بانياس ومحيطها، وفي مقدمتها مجزرتا البيضا ورأس النبع في أيار 2013، اللتان قُتل فيهما مئات المدنيين، وفق توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
من أنطاكيا إلى سوريا
وُلد معراج أورال عام 1956 في ولاية هاتاي التركية، وعُرف لاحقاً في سوريا باسم علي كيالي، بعد حصوله على الجنسية السورية. وتعود بدايات نشاطه المسلح إلى سبعينيات القرن الماضي، حين انخرط في تنظيمات يسارية تركية معارضة للحكومة التركية.
وبحسب تحقيق نشرته "زمان الوصل" في 7 أيلول 2020 بعنوان "معراج أورال.. خلطة مخابرات الأسد"، اعتُقل أورال في تركيا عام 1978 على خلفية اتهامات تتعلق بنشاطه المسلح، بينها صلته بعملية تفجير القنصلية الأمريكية في أضنة والسطو على بنك، قبل أن يفر من السجن عام 1980.
وذكر التحقيق أن أجهزة النظام السوري السابق استقبلته بعد وصوله إلى سوريا، وأن جميل الأسد، شقيق حافظ الأسد، وفر له الحماية، وساهم في حصوله على الجنسية السورية. كما أشار إلى صلاته بتنظيمات مسلحة تركية وبشخصيات في أجهزة النظام السابق.
وتناول التحقيق أيضاً اتهامات تتعلق بنشاط أورال في تهريب المخدرات، مستنداً إلى ما وصفه بشبكة علاقات امتدت بين سوريا وبلدان أخرى.
"المقاومة السورية" ومجازر بانياس
بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، برز أورال قائداً لميليشيا "المقاومة السورية"، التي قاتلت إلى جانب قوات نظام بشار الأسد، ورفعت شعار استعادة لواء إسكندرون.
لكن اسم الميليشيا وقائدها ارتبطا على نحو خاص بمجزرتي البيضا ورأس النبع في بانياس يومي 2 و3 أيار 2013، حين تعرض مدنيون للقتل، بينهم نساء وأطفال، وسط شهادات عن إعدامات ميدانية وحرق منازل وجثث.
ووفق الأرقام التي أوردتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أسفرت مجزرة البيضا عن مقتل 264 مدنياً، بينهم 36 طفلاً و28 امرأة، فيما قُتل في مجزرة رأس النبع 195 مدنياً، بينهم 56 طفلاً و43 امرأة.
وكانت "زمان الوصل" قد تناولت هذه الأحداث في تقارير عدة، وربطت اسم أورال بقيادة الميليشيا المتهمة بالمشاركة في المجازر. كما أعادت في تحقيق عام 2020 التذكير بمقطع مصور نُسب إليه خلال أحداث بانياس، تحدث فيه عن تطويق المدينة وبدء "التطهير"، وهي عبارة أثارت اتهامات بوجود نية للتطهير الطائفي.
من إعلان مقتله إلى ظهوره مجدداً
في 1 نيسان 2016، نشرت "زمان الوصل" خبراً نقلت فيه عن مصدر خاص فقدان الاتصال بأورال منذ أيام، وسط حالة من الارتباك داخل الميليشيا التي يقودها. وجاء ذلك بعد إعلان حركة أحرار الشام استهداف موقعه في ريف اللاذقية، من دون أن يتوافر حينها تأكيد مستقل لمقتله.
لكن أورال ظهر لاحقاً مجدداً في تسجيل مصور، نافياً عملياً رواية مقتله، ومتحدثاً عن مواصلة نشاطه. وأعادت هذه الواقعة اسمه إلى التداول بعد أن سرت أنباء عن تصفيته.
وفي 19 تشرين الثاني 2014، كانت الصحيفة قد نشرت تقريراً بعنوان "جزار بانياس على مائدة القومي السوري في اللاذقية"، تحدث عن زيارة أورال منزل أحد قياديي الحزب السوري القومي الاجتماعي ولقائه عدداً من كوادره. وأظهر التقرير حضوره في الأوساط السياسية الموالية للنظام، بالتوازي مع الاتهامات المرتبطة بأحداث بانياس.
من الميدان إلى مفاوضات سوتشي
لم يقتصر حضور أورال على النشاط العسكري. ففي عام 2017، شارك ضمن وفد النظام السوري السابق إلى مؤتمر سوتشي.
وأثار وجوده في الوفد اعتراضاً تركياً، قبل أن يُسحب من المشاركة. وشكل هذا الظهور محطة لافتة في مسار شخصية اتهمتها أطراف سورية وتركية بالضلوع في أعمال عنف، بينما أتاح لها النظام البائد حضوراً سياسياً في مسار التفاوض.
اعتقال يفتح ملف المحاسبة
في 4 تشرين الأول 2026، أعلنت السلطات السورية اعتقال جمال طرابلسي، الذي وصفته بأنه نائب أورال، واتهمته بالمشاركة مع الميليشيا في عمليات عسكرية دعماً للنظام السابق، بينها أحداث البيضا وبانياس.
وبعد أقل من أسبوعين، جاء الإعلان عن اعتقال أورال نفسه أثناء محاولته الفرار عبر الحدود، ليضع ملفه أمام مرحلة جديدة، تتجاوز سنوات تداول الاتهامات والتقارير إلى ضرورة تحديد المسؤوليات عبر التحقيق والأدلة والإجراءات القضائية.
ويظل الاختبار الأساسي في هذا الملف هو كشف تفاصيل الجرائم المنسوبة إليه، وتحديد دوره المباشر ودور الميليشيا التي قادها، والاستماع إلى شهادات الناجين وذوي الضحايا، وضمان محاكمة تستند إلى أدلة موثقة وإجراءات قانونية تكفل حقوق الضحايا والمتهمين.
فبعد أكثر من 13 عاماً على مجازر بانياس، لم يعد السؤال مقتصراً على مكان أورال أو كيفية اعتقاله، بل بات يتعلق بما ستكشفه التحقيقات عن سلسلة القيادة والمسؤولية، وما إذا كان اعتقاله سيقود إلى محاسبة قضائية تنصف عائلات الضحايا.
زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية