شهدت سوريا مرحلة محورية عقب رفع العقوبات الدولية حتى تاريخ 10 أكتوبر 2026، تمثلت في إطلاق وتوقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الاستثمارية.
وفي ظل تباين الإفصاحات وغياب أرقام إجمالية موحدة لتفادي التضليل الإحصائي، تقدم الدراسات الرصدية قراءة دقيقة لحصاد 36 مشروعاً واتفاقية مستقلة توزعت عبر قطاعات الطاقة، الموانئ، المطارات، الصناعة، الاتصالات، والنقل والعقارات.
خارطة المشاريع: عقود ملزمة وتشغيل فعلي
تُظهر البيانات الرصدية توزع المشاريع الـ 36 على مستويات تنفيذية متباينة:
• تشكل العقود أو الاتفاقيات الملزمة الموقع عليها النسبة الأكبر بواقع 14 مشروعاً (38.9%).
• تأتي مذكرات التفاهم والاتفاقيات العامة قيد الدراسات والتحضير ثانياً بـ 8 مشاريع (22.2%).
• سجلت مشاريع التنفيذ المعلن والإنجاز الجزئي 7 مشاريع (19.4%).
• بلغ عدد مشروعات الترسية أو تدبير التمويل 4 مشاريع (11.1%).
• دخلت 3 مشاريع حيز التشغيل أو الإنجاز المعلن (8.3%).
المجموعات الجيوسياسية وتصدر الحضور الخليجي
تتصدر المجموعة الخليجية المشهد الاستثماري بنحو 44% من إجمالي المشاريع (16 مشروعاً)، متركزة في القطاعات الكبرى كالموانئ، الطاقة، الطيران، والاتصالات، مع تسجيل مستويات متقدمة من التشغيل كمرفأ طرطوس ومطار دمشق عبر تحالف "يو سي سي" (UCC).
وفي المقابل، استحوذت المجموعة المحلية والوطنية على نحو 25% (9 مشاريع) في القطاعات العقارية والسياحية والخدمية، بينما بلغت حصة المجموعات الأمريكية والأوروبية نحو 14% (5 مشاريع) متركزة في النفط والغاز والبنية التحتية المتخصصة، وتحركت المجموعات الآسيوية والإقليمية بحذر بنحو 17% (6 مشاريع) ضمن أطر التعاون الإطاري والدراسات.
التوزيع الجغرافي: تركز حضري وفجوة إقليمية
توزعت المشروعات مكانياً بتفاوت ملحوظ بين المحافظات:
• تصدرت دمشق وريفها المشهد بـ 8 مشاريع (22.2%) نظراً لتركز المشروعات العقارية والسيادية والنقل.
• حلت حمص ومدينة حسياء الصناعية ثانياً بـ 7 مشاريع (19.4%) كعصب صناعي ولوجستي.
• استقطبت حلب 5 مشاريع (13.9%) مستهدفة إحياء الثقل الإنتاجي شمالاً.
• نال الساحل السوري (اللاذقية وطرطوس) 4 مشاريع (11.1%) تضمنت الموانئ الكبرى الأعلى تشغيلاً.
• سجلت المنطقة الشرقية والبادية 3 مشاريع (8.3%) في استكشافات الطاقة والنقل.
• بلغ نصيب درعا والجنوب مشروعاً واحداً (2.8%)، إلى جانب 8 مشروعات عابرة للمناطق والشبكات الوطنية الكبرى (22.2%).
مذكرات تفاهم فقط لا غير
لتحقيق الدقة والشفافية الإحصائية ومنع التضخيم المزدوج للبيانات، استبعدت الدراسة عدداً من الكتل الكبرى والتفاهمات العامة من جدول العد المباشر (36 بنداً)، وتبرز تلك الاتفاقيات ومبررات استبعادها كالتالي:
1. حزمة المنتدى السعودي - السوري (47 اتفاقاً): أعلنت في يوليو 2025 بقيمة 6.4 مليارات دولار. واستبعدت لكونها حزمة إطارية كبرى ذات طابع عام وإعلانات نوايا استكشافية تفتقر لعقود امتياز تنفيذية مستقلة أو مواقع محددة، وكان إدراجها سيؤدي لتضخيم إحصائي مضلل.
2. اتفاقيات إعمار 2026 العامة: أعلنت مطلع 2026 بقيم غير محددة. وتم استبعادها لكونها تفاهمات شاملة ذات طابع سياسي وإعلانات رغبة عامة تفتقر للغطاء التعاقدي المالي الملزم والمواقع العينية المحددة.
3. مذكرة الطيران السوري - القطري: تعود لـ 16 فبراير 2025 بقيمة غير محددة. واقتصرت على مباحثات أولية وإعلان نوايا للتدريب والملاحة الجوية المشتركة دون ترسيخ كيان تعاقدي أو شركة تشغيلية مستقلة في تلك المرحلة.
4. مشروع "بوابة دمشق الإعلامية": أعلن في 30 يونيو 2025 بقيمة 1.5 مليار دولار. واقتصر على مرحلة الدراسات التخطيطية والمخططات الأولية من قبل وزارة الإعلام دون توقيع عقد تنفيذي أو بدء أعمال ميدانية مثبتة.
5. مذكرات التعاون والتأهيل الصحي: أعلنت في 24 يوليو 2025 بقيم غير محددة، واقتصرت على إعلانات رغبة أولية لتأهيل المستشفيات والمراكز الطبية ضمن المنتديات دون عقود تنفيذية أو جداول تمويل مرصودة.
6. التفاهمات الإقليمية للربط الكهربائي والطاقة: أعلنت في 22 مايو 2025 بقيم غير محددة، وتمثلت في إعلانات سياسية وتفاهمات إطار مشتركة للتعاون الإقليمي لم تترجم إلى عقود تنفيذية عينية مستقلة (في حين رصدت العقود اللاحقة الناضجة ضمن الجدول).
العوائق الهيكلية والتوصيات الإستريقية
أشارت الدراسة إلى أن الفجوة بين إعلان مذكرات التفاهم والتنفيذ الفعلي تعود إلى عوائق عميقة تشمل:
• الإفراط في الامتثال المصرفي الدولي (Over-compliance): استمرار تحفظ مؤسسات المراسلة العالمية وتجنب المخاطر (De-risking) رغم رفع العقوبات الرسمية.
• اختلالات البنية التحتية: التعارض بين طموح المشاريع الكبرى والقدرات المتاحة لشبكات الطاقة والمياه، مما يبرز "تعثر التتابع التشغيلي".
• مخاطر الصرف وغياب أدوات التحوط: صعوبة دراسات الجدوى طويلة الأجل في ظل غياب المشتقات المالية.
• تعدد المرجعيات البيروقراطية: إطالة الدورة المستندية نتيجة تداخل الصلاحيات الإدارية والمركزية.
وفي سبيل ردم هذه الهوة، خلصت الدراسة إلى توصيات أبرزها: إقرار قانون عصري للشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، وتأسيس "البوابة الوطنية الموحدة للاستثمار" لنافذة إدارية واحدة، وتفعيل آليات التحكيم التجاري الدولي وضمان المخاطر عبر وكالات مثل (MIGA).




بسام الأشقر - زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية