بينما تفوح من أقبية ومدارج مطار المزة العسكري روائح الدم والذاكرة المأساوية لمعتقل تحول لسنوات طويلة إلى مقصلة بشرية ومخزن للغياب القسري، تسارع هيئة الطيران خلف مشاريع "الاستثمار وتطوير الطيران الخاص"، غير آبهةٍ بأنّه تحت تلك المساحة الممتدة على نحو 6.8 كيلومترات مربعة قد تُطمر آلاف الروايات والأدلة الدامغة التي تدين منظومة الطغيان الساقطة، ورفات شبان وشابات قتلوا ودُفنوا بصمت.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلاماً ومرارة: أين الهيئة الوطنية للمفقودين مما يجري؟ ولماذا تبدو المؤسسة المُفترض أنها الحصن الأخير لعدالة الضحايا وعائلاتهم وكأنها تكتفي بدور "المتفرج البيروقراطي"، بينما تبدأ آليات التأهيل ومشاريع تحويل المطار العسكري إلى منشأة مدنية لرجال الأعمال خطواتها الأولى في مسرح جريمة متكامل الأركان؟ على أراضٍ مستملكة من أهالي معضمية الشام.
ترف البيروقراطية أمام مسارح الجريمة
إن التعامل مع بقعة جغرافية واسعة ثبت بالأدلة والشهادات أنها شهدت أفظع انتهاكات حقوق الإنسان، وأقبية تعذيب ومقابر جماعية تحت إشراف المخابرات الجوية منذ عام 1980، لا يحتمل سياسة "المراقبة عن بعد" ولا التنسيق البطيء.
إن الاكتفاء بإجراءات احترازية خجولة بينما تسير عجلة المشاريع الاقتصادية نحو هدفها، يكرس رسالة مقلقة مفادها أن الاعتبارات التجارية وتوفير مهابط لطائرات رجال الأعمال تعلو فوق قدسية الحقيقة وكرامة الموتى وحق الأمهات في معرفة مصير أبنائهن.
السكوت.. شريكاً في طمس الأدلة
بموجب المعايير الدولية للعدالة الانتقالية وبروتوكولات التحقيق في الجرائم ضد الإنسانية، يُعد كل سنتيمتر مربع من مطار المزة "مسرح جريمة" يجب حمايته، وفرض طوق جنائي شامل عليه، وإخضاعه للمسح الكامل بالتقنيات الحديثة (كالرادار المخترق للأرض وبنوك الحمض النووي) قبل أن يُسمح بوضع حجر أساس واحد لأي مشروع استثماري.
ظهور هيئة المفقودين بمظهر المكتفي بالتنسيق الإداري يضعها في قفص الاتهام؛ فإما أن تكون مؤسسة سيادية مستقلة تمتلك صلاحيات مُطاعة توقف أي عبث بمسارح الجرائم فوراً، أو تتحول إلى مجرد واجهة إدارية تُجمل وجه الاستثمار على حساب دماء السوريين.
اختبار الوجود والشرعية
عائلات المفقودين لم تنتظر من هذه الهيئة بيانات روتينية تتقاطع مع أجندات الطيران المدني، بل تنتظر درعاً حقيقياً يمنع تحويل مقابر أحبائهم إلى مواقف سيارات أو مدارج طائرات.
التاريخ لا يرحم المؤسسات التي تُفرط بإرث الضحايا تحت ذريعة "مطار رجال الأعمال"، ومطار المزة لن يكون مساحة آمنة لطمس جريمة العصر دون كشف الحقيقة كاملة، ودون أن تفتح الهيئة نار استفساراتها وصلاحياتها في وجه كل من يعبث بذاكرة الدم والعدالة.
يا مدير الهيئة الوطنية للمفقودين، الدكتور محمد رضا الجلخي: كن بحجم أمل أهالي المفقودين بك، كن شجاعاً وقل لا.
الحسين الشيشكلي - زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية