أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

تخبّط التعامل الحكومي مع المنظمات الدولية الإنسانية بين البيروقراطية والحاجة إلى شراكة أكثر فاعلية

من دمشق - أ ف ب

منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، ساهمت المنظمات الإنسانية الدولية، ولا سيما وكالات الأمم المتحدة، بصورة ملموسة في التخفيف من معاناة أعداد كبيرة من السوريين، رغم وجود ملاحظات وانتقادات مشروعة حول أداء بعضها وآليات عملها ومدى فاعلية تدخلاتها. 

وبعد تحرير سوريا في نهاية عام 2024، استمر الدور المحوري لهذه المنظمات في تقديم الدعم للفئات الأكثر ضعفاً، مع تحول تدريجي في الأولويات باتجاه إيجاد حلول أكثر استدامة، ودعم عودة اللاجئين والنازحين، والمساهمة في تعافي المجتمعات المحلية وصيانة وإصلاح البنية التحتية التي تضررت بشدة خلال سنوات النزاع.

وبشكل عام، لا تعمل المنظمات الدولية بمعزل عن توجهات الدولة المضيفة وأولوياتها. فبرامجها ومشاريعها، وخصوصاً تلك التي تتطلب التنسيق مع المؤسسات العامة، غالباً ما تحتاج إلى قدر كبير من التوافق مع السياسات والاحتياجات الوطنية. وحتى في الحالات التي تظهر فيها فجوة بين أولويات المنظمات الدولية وأولويات الحكومة، يمكن للجهات الحكومية العمل على تصويب مسار البرامج من خلال الحوار والشراكة والأدوات الدبلوماسية، بدلاً من الاعتماد حصراً على الإجراءات الإدارية والرقابية التقليدية.

من التنسيق إلى تعقيد الإجراءات
منذ بدء تدخل إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية في تنظيم العمل الإنساني مطلع عام 2026، وربط تنفيذ المشاريع بالحصول على موافقات رسمية، برزت تحديات جديدة أمام سرعة تنفيذ بعض التدخلات الإنسانية والتنموية.

فالمشكلة هنا ليست في وجود دور تنظيمي للدولة، وهو أمر ضروري ومفهوم، وإنما في أن تتحول عملية التنظيم بحد ذاتها إلى غاية بدلاً من أن تكون وسيلة لتسهيل تنفيذ المشاريع وضمان انسجامها مع الأولويات الوطنية.

إن طول دورة الموافقات وتعقيدها قد يؤديان عملياً إلى تأخير بعض الأنشطة أو حتى فقدان فرصة تنفيذها، لا سيما أن الكثير من المشاريع الإنسانية مرتبطة بأطر زمنية محددة وبالتزامات مالية تجاه الجهات المانحة. وبالتالي، فإن التأخير لعدة أشهر لا يمثل مجرد إشكالية إدارية، بل قد تكون له انعكاسات مباشرة على التمويل وعلى إمكانية وصول المساعدة إلى المستفيدين في الوقت المناسب.

إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة بعض الملاحظات التي تُطرح على المشاريع قد تعكس، في بعض الحالات، وجود فجوة في فهم الجوانب التقنية والفنية للبرامج الإنسانية والتنموية وأهدافها، فضلاً عن الحاجة إلى مزيد من التنسيق بين الجهة المسؤولة عن العلاقات الدولية والوزارات والمؤسسات القطاعية المختصة.

عندما تضيع فرصة مشروع بسبب الإجراءات
ومن الأمثلة التي توضح خطورة هذه الإشكالية، ما علمت به من مصدر موثوق حول اتجاه إحدى المنظمات الدولية إلى إلغاء مشروع لتجهيز خط إنتاج ثانٍ للخبز في المخبز الحكومي بمدينة تدمر، في ظل عدم كفاية الطاقة الإنتاجية الحالية لتلبية احتياجات المنطقة والحاجة إلى توسيع الإنتاج.

إذا صحت هذه المعلومات، فإن الحالة تستحق التوقف عندها بجدية. فهذا النوع من المشاريع لا يمثل تدخلاً هامشياً، بل يرتبط بخدمة أساسية يحتاج إليها السكان، بما في ذلك الفئات الأكثر هشاشة. كما أنه، من حيث المبدأ، يتقاطع مع الأولويات الوطنية المتعلقة بتحسين الخدمات الأساسية ودعم استقرار المجتمعات المحلية. المفارقة هي أن مشروعاً بهذه الطبيعة قد يصبح مهدداً بالإلغاء ليس بسبب غياب التمويل أو عدم الحاجة إليه، وإنما نتيجة طول الإجراءات المرتبطة بالموافقات الرسمية.

وهنا يبرز سؤال أساسي حول الدور الحقيقي للموظف الحكومي المعني بالتعاون والعلاقات الدولية: هل تتمثل مهمته الأساسية في إدارة مسار الموافقات، أم في استخدام أدوات الدولة وعلاقاتها لتسهيل استقطاب التمويل والمشاريع الدولية وضمان توجيهها نحو الأولويات الوطنية؟

في تقديري، يجب أن تكون المهمة الأساسية هي الثانية. فالدبلوماسية الفعالة في هذا المجال لا تعني التخلي عن الدور التنظيمي للدولة، بل تعني الانتقال من عقلية "الموافقة والرفض" إلى عقلية "التوجيه والتأثير والشراكة".

تعدد الجهات وغياب الصوت الحكومي الواحد
ولا تقتصر المشكلة على آلية الموافقات. فهناك تحدٍ آخر لا يقل أهمية، يتمثل في ضعف التنسيق والانسجام بين الوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة المعنية بالتعامل مع المنظمات الدولية.

في بعض الحالات، تبدو كل وزارة وكأنها تعمل بصورة منفصلة، دون وجود إطار واضح يحدد صلاحيات كل جهة ومسؤولياتها أو آلية إحالة الملفات والتنسيق بشأنها. وقد يؤدي ذلك إلى اختلاف المواقف أو تضاربها، الأمر الذي يضع المنظمات الدولية أمام رسائل حكومية متعددة بدلاً من موقف وطني موحد.

ويمكن تصور مثال بسيط: عندما تطلب منظمة دولية بيانات حكومية ضرورية لتصميم برنامج أو تنفيذ مشروع معين، فمن هي الجهة المخولة رسمياً بتوفير هذه البيانات؟ وكيف ينبغي أن تستجيب؟ ومتى يتوجب عليها التنسيق مع الوزارات الأخرى؟ ومن يمتلك القرار النهائي؟
غياب إجابات مؤسساتية واضحة عن أسئلة كهذه يخلق مساحة واسعة للاجتهاد الشخصي، ويزيد من احتمالات التأخير والتضارب الإداري.

ما المطلوب؟
بهدف تعزيز الاستفادة المثلى من برامج ومشاريع المنظمات الدولية وضمان استدامة نتائجها واستمرارية تمويلها، يمكن التفكير في مجموعة من الخطوات:
أولاً: الانتقال من الموافقات التقليدية إلى آلية شراكة مرنة
من الضروري إعادة النظر في آلية الموافقات الحالية، واستبدالها تدريجياً بإطار أكثر مرونة وسرعة يقوم على الشراكة والتنسيق المسبق وإدارة المخاطر والمساءلة.
فعلى سبيل المثال، يمكن دعوة المنظمات الدولية إلى إشراك الجهات الحكومية المختصة في ورشات تصميم المشاريع والتخطيط لها منذ المراحل الأولى، بدلاً من انتظار اكتمال تصميم المشروع ثم إخضاعه لسلسلة طويلة من الموافقات.
وفي هذه الحالة يستطيع ممثلو الجهات الحكومية توضيح الأولويات الوطنية ومناقشة البرامج القائمة واقتراح تعديلات عليها. وبهذه الطريقة تستطيع الحكومة ممارسة دورها السيادي والتوجيهي، ولكن من خلال التأثير والحوار والشراكة، وليس فقط عبر البيروقراطية الإدارية.

ثانياً: الاستثمار في بناء قدرات الموظفين الحكوميين
ينبغي تدريب الموظفين الحكوميين الذين يتعاملون بصورة مباشرة مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية على طبيعة عمل هذه المؤسسات، ودورات البرامج والمشاريع، وآليات التمويل، والتخطيط القائم على النتائج، وأساليب التفاوض والتنسيق والشراكة.
فالعمل مع المنظمات الدولية مجال تخصصي بحد ذاته، ويحتاج إلى موظفين قادرين على فهم لغة هذه المؤسسات وآلياتها والتأثير في قراراتها بما يخدم الأولويات الوطنية.
والهدف النهائي يجب ألا يكون ضبط عمل المنظمات الدولية فحسب، بل امتلاك القدرة المؤسسية على توجيه مواردها وخبراتها نحو المجالات التي تحتاج إليها سوريا فعلياً.

ثالثاً: إنشاء إطار حكومي موحد للتعامل مع المنظمات الدولية
من الضروري عقد اجتماع موسع للوزارات والجهات الحكومية المعنية بالعمل الإنساني والتنموي، بهدف الاتفاق على إطار موحد يحدد بوضوح:
• دور ومسؤوليات كل وزارة.
• الجهة المخولة بالتواصل مع المنظمات الدولية بحسب طبيعة كل ملف.
• آلية مشاركة البيانات والمعلومات.
• الإجراءات اللازمة لدراسة المشاريع ومناقشتها.
• المدد الزمنية القصوى للرد على المقترحات والطلبات.
• آلية حل الخلافات بين الوزارات عند تداخل الاختصاصات.
كما يمكن إنشاء منصة أو لجنة تنسيقية حكومية تجتمع بصورة دورية لمناقشة القضايا المشتركة، بما يسمح للجهات الحكومية في النهاية بالتحدث بصوت واحد أمام المنظمات الدولية، مع الحفاظ على الاختصاص الفني لكل وزارة.

من عقلية الرقابة إلى دبلوماسية الشراكة
لقد حققت الدولة السورية الناشئة بعد التحرير اختراقات ونجاحات مهمة على المستوى الدولي، وبرز دعم دولي لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار. لكن تحويل هذه البيئة السياسية إلى نتائج ملموسة على الأرض يتطلب جهازاً إدارياً قادراً على التعامل مع الفرص الدولية بالكفاءة والمرونة نفسيهما.

فنجاح الدولة في إدارة علاقتها مع المنظمات الدولية لا يُقاس بعدد الموافقات التي أصدرتها أو المشاريع التي أخضعتها للإجراءات، وإنما أيضاً بحجم الموارد والمشاريع النوعية التي استطاعت جذبها وتوجيهها لخدمة السوريين وتحقيق الأولويات الوطنية.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس إضعاف الدور التنظيمي للدولة أو السماح للمنظمات الدولية بالعمل دون ضوابط، بل بناء نموذج أكثر نضجاً في إدارة العلاقة معها، يقوم على السيادة والشراكة والشفافية والكفاءة والمساءلة في آن واحد.

سوريا اليوم بحاجة إلى استثمارات هائلة لإعادة بناء البنية التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية، وتحريك عجلة الاقتصاد، ودعم عودة اللاجئين والنازحين واستقرارهم. والمنظمات الدولية والأمم المتحدة يمكن أن تكون شريكاً مهماً في هذه المرحلة، لكنها لن تستطيع القيام بهذا الدور بكفاءة في بيئة إدارية بطيئة أو متضاربة.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الحكومية لا يتمثل في كيفية فرض السيطرة الإدارية على العمل الدولي بقدر ما يتمثل في كيفية قيادته وتوجيهه والاستفادة القصوى منه.

وهذا التحول يحتاج إلى إدارة حكومية مرنة، وكوادر مؤهلة، وتنسيق مؤسساتي واضح، ودبلوماسية هادئة تفهم كيف تعمل المنظمات الدولية وكيف يمكن التأثير في أولوياتها.

الفرصة موجودة، والتمويل الدولي والخبرات الدولية يمكن أن يشكلا رافعة حقيقية لمرحلة التعافي وإعادة البناء. لكن النجاح في ذلك يتطلب أن تتعامل مؤسسات الدولة مع المنظمات الدولية باعتبارها شريكاً يمكن توجيهه والاستفادة من إمكاناته، لا مجرد جهة ينبغي إخضاعها لسلسلة من الموافقات.

محمد البشير - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي