من المعروف أن شبكة الاتصالات من أكثر البنى التصاقاً بحياة الناس؛ فهي تفتح للطلاب نافذة على المعرفة، وتصل الموظفين بأعمالهم، وتحمل صوت أم إلى أبنائها. لكن السوريين، الذين كان يفترض أن يستفيدوا من أكبر شركة اتصالات في بلادهم، وجدوا أنفسهم طوال سنوات يدفعون الثمن مرتين: مرة في فاتورة خدمة تتراجع جودتها وتتسع فجواتها، ومرة حين تحولت عوائد الشركة، بدلاً من تجديد الشبكة وتحسين الخدمة، إلى جزء من اقتصاد سلطة نهبت البلاد وموّلت أدوات القمع والقتل.
لهذا، لا يجب أن تكفينا كلمات الإدارة الجديدة لـ"سيريتل" عن البدايات المختلفة. لدينا مشكلات موروثة يجب تفكيكها وحلها، فماذا تفعل الإدارة الجديدة في هذا الخصوص؟ هذا ما سيجعلنا ندرك إن كانت التوجهات إصلاحية بحق، أم أننا أمام إعادة تدوير للإدارات السابقة وطرق عملها، ولكن بأسماء جديدة.
وقبل النظر إلى ما تفعله الإدارة الحالية، من المفيد العودة إلى ما كانت عليه الشركة، وطبيعة علاقتها بالسلطة قبل التحرير، وما خلّفته تلك المرحلة من بنية تحتية متعبة ومشكلات وملفات تراكمت على مدى سنوات.
هذا ما كانت عليه سيريتل في عهد مخلوف
ارتبط اسم سيريتل منذ تأسيسها عام 2001 برامي مخلوف، ابن خال المخلوع بشار الأسد وأحد أبرز المستفيدين من قربه من السلطة. لم يخفَ فساد مخلوف أو فساد السلطة الحاضنة على أحد، حتى وصل الأمر في عام 2008 إلى أن فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه، وقالت إنه استفاد من الفساد العام وساعد عليه، واستخدم الترهيب وصلاته بالنظام للحصول على مزايا تجارية على حساب السوريين. ثم أدرجت "سيريتل" نفسها على قوائم العقوبات بسبب ملكية مخلوف وسيطرته عليها، فيما قال الاتحاد الأوروبي إن الشركة قدمت دعماً مالياً للنظام.
ولم يقتصر الأمر على العلاقة المالية المباشرة؛ فقد وثقت دراسات عن اقتصاد الحرب تمويل جمعية "البستان" التابعة لمخلوف عشرات التشكيلات المسلحة التي قاتلت إلى جانب النظام. وحتى بعد خلاف مخلوف مع الأسد وإبعاده عن الواجهة، لم تنتقل الشركة إلى ملكية واضحة أو إدارة مستقلة، بل دخلت مرحلة من تشابك الشركات وشخصيات الواجهة، بينما بقيت الشبكة تتقادم ومناطق واسعة خارج التغطية.
وبحسب تقارير صحفية واستقصائية عدة، انتقلت السيطرة الفعلية على سيريتل، عقب إبعاد مخلوف، إلى يسار إبراهيم، المستشار الاقتصادي لبشار الأسد وأحد أبرز رجال "المجلس الاقتصادي" الذي كانت تديره أسماء الأسد. ورغم أن الشركة حققت خلال تلك الفترة، التي امتدت لنحو ست سنوات، أرباحاً نُشرت وأُعلن عنها، فإن هذه العوائد لم تنعكس استثماراً يُذكر في الشبكة، كما تظهره حال الأبراج المتقادمة والتغطية المحدودة عشية التحرير.
وقد أدرجت لوائح العقوبات الأوروبية يسار إبراهيم لاحقاً، بصفته مستشاراً اقتصادياً لبشار الأسد وعضواً في المجلس الاقتصادي الذي كانت تديره أسماء الأسد، كما وصفته بأنه واجهة لأنشطة تجارية مرتبطة ببشار وأسماء الأسد. بينما وثق تحقيق نشرته وكالة رويترز دوره في تنظيم عملية تهريب أموال ومقتنيات ووثائق للنظام إلى خارج البلاد عشية سقوطه في كانون الأول 2024. هكذا كان الحال قبل التحرير، فما الذي استجد؟
من يملك ويقود سيريتل اليوم؟
بعد التحرير، ورثت الإدارة الجديدة شركة مثقلة ببنية متعبة، وملفات معقدة وشائكة، وسمعة تجعل أي خطاب صادر عنها موضع شك. غير أن المؤشرات والتصريحات الرسمية المتاحة تشير إلى أن الصندوق السيادي السوري، وهو مؤسسة عامة ذات طابع اقتصادي مملوكة للدولة، أصبح صاحب الحضور الأبرز في إدارة "سيريتل" وقرارها.
ويبدو أن هذا التحول انعكس في اختيار إدارة جديدة ذات خبرة إدارية وقطاعية. ففي 11 آذار 2026، عُيّن ياسر قحف رئيساً تنفيذياً للشركة، مستنداً إلى خبرة تتجاوز 25 عاماً في مجال الأعمال والإدارة. كما تولى وسيم صبري رئاسة مجلس الإدارة، بالتوازي مع إدارته قطاع الاتصالات في الصندوق السيادي. ولا يأتي صبري إلى قطاع الاتصالات من خارجه، فهو يمتلك خبرة طويلة فيه، بل ويعرف "سيريتل" من الداخل بعد أن عمل فيها قبل اندلاع الثورة عام 2011.
يدعم فرضية حضور الصندوق ما أعلنه مدير الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد إلى جانب تصريحات رئيس مجلس إدارة الشركة في ملتقى استثماري خارجي. ويمثل ذلك انتقالاً مهماً بعيداً عن احتكار دائرة ضيقة لموارد الشركة، كما يمنح إدارتها الجديدة ثقلاً مهنياً تحتاج إليه في مواجهة المشكلات المتراكمة. وتعكس هذه التغييرات انتقالاً في طريقة إدارة الشركة، من مرحلة ارتبطت لسنوات بأسماء وشبكة مصالح محددة، إلى إدارة تحاول تقديم نفسها باعتبارها أكثر اعتماداً على الخبرة والإدارة المهنية.
لكن الحكم على هذا التحول لا يمكن أن يقوم على التعيينات وحدها؛ فالاختبار الأهم هو ما تنتجه الإدارة الجديدة على الأرض: حجم الاستثمار في الشبكة، سرعة تطوير البنية التحتية، التوسع الجغرافي، ونوعية الخدمات التي تصل في النهاية إلى المشترك. وهنا تصبح الأرقام أكثر أهمية من الخطاب، لأنها تسمح بقياس الفارق بين ما كانت عليه الشركة وما أصبحت عليه، وتبقى الشفافية الدليل الأكثر حسماً على اكتمال قطيعة الشركة مع ماضيها. فهل فعلاً تغيرت سيريتل؟
سيريتل بالأرقام: بداية قابلة للقياس
قبل التحرير، لم تكن مشكلة "سيريتل" مرتبطة فقط بضعف التغطية وتقادم بعض المواقع، بل أيضاً بمستوى الاستثمار في تطوير الشبكة. وتقول "سيريتل" إن شبكتها كانت تضم 2925 برجاً بتقنيات محدودة.
أما بعد التحرير، فتقول "سيريتل" إن واقع البنية التحتية للشبكة بدأ يشهد تحولاً ملحوظاً، مع التوسع في استخدام التقنيات الحديثة. فقد عملت الشركة على تطوير الشبكة، ليرتفع عدد الأبراج العاملة بتقنية 4G إلى أكثر من 4131 برجاً، من بينها أكثر من 1088 برجاً تم تزويده بتقنية 4G+، إضافة إلى أكثر من 68 برجاً زود بتقنية 5G، التي دخلت الشبكة للمرة الأولى.
وتعني هذه الأرقام أن عدد الأبراج العاملة بتقنية 4G وحدها بات يزيد بنحو 41.2% على العدد الإجمالي للأبراج المذكور للمرحلة السابقة. ولا يقتصر التغيير، بحسب الشركة، على تحديث التقنيات، بل يشمل أيضاً إعادة تأهيل مواقع قائمة وإنشاء مواقع جديدة، والتوسع إلى مناطق لم تكن "سيريتل" حاضرة فيها خلال سنوات ما قبل التحرير، بينها حلب وإدلب والمناطق الشرقية.
ومن التحديات التي ترافق هذا التوسع أيضاً عودة ملايين المهاجرين إلى مناطق تعرضت لدمار واسع. وبحسب تصريحات الشركة، يضع ذلك ضغطاً إضافياً على البنية التحتية للاتصالات، ولا سيما في مناطق كانت أصلاً خارج الشبكة أو محدودة التغطية، مثل الغوطة الشرقية وأجزاء من ريف حلب وريف اللاذقية. فعودة السكان تعني عودة الطلب على الاتصالات والإنترنت إلى مناطق تحتاج في الوقت نفسه إلى إعادة بناء بنيتها التحتية.
لا تكفي هذه الأرقام وحدها للقول إن مشكلة الشبكة حُلّت، لكنها تقدم أساساً واضحاً لقياس الفرق بين المرحلتين. فالمقارنة هنا لا تقوم على الانطباع، بل على عدد الأبراج، والتقنيات التي دخلت الخدمة، والمناطق التي عادت إليها الشبكة. ويبقى الاختبار الأهم هو استمرار هذا الاستثمار وترجمته إلى تغطية أفضل وخدمة أكثر استقراراً للمشتركين.
601 برج في 2026: هل تتحول الأرقام إلى تغطية؟
بعد النظر إلى تطوير التقنيات، يبقى المشترك يختبر التغيير بطريقة أبسط: هل أصبحت الإشارة أقوى؟ وهل وصلت الشبكة إلى منطقته؟
تقول سيريتل إنها، منذ بداية عام 2026 وحتى وقت كتابة هذه الكلمات، أنجزت إنشاء وترميم 601 برج، بمعدل يقارب 71 برجاً بالشهر، بالإضافة إلى ترقية أكثر من 1060 برجاً بتقنيات جديدة وسعات أكبر.
إذا استمرت وتيرة البناء نفسها، فقد يحتاج إنجاز المتبقي المطلوب إلى نحو ثلاثة أعوام. لكن هذه حسبة نظرية، إذ لا نعرف ظروف المواقع التي أُنجزت، ولا إن كانت الوتيرة ستثبت أو تتراجع أو تتسارع. وقد تسمح زيادة فرق التنفيذ، وتسريع التوريد والتراخيص، وتراكم الخبرة، ورفع الاستثمار بإنجاز أسرع.
ولفهم حجم هذا النوع من التحول، من الجيد النظر إلى تجارب أسواق أخرى مرت بمراحل من محدودية انتشار التقنيات الحديثة ثم توسعت فيها تدريجياً. ففي العراق، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن انتشار خدمات 4G ظل محدوداً حتى عام 2020، قبل أن تبدأ مرحلة التوسع في الخدمة مع تجديد تراخيص المشغلين وإطلاقها. لا تقدم التجربة العراقية مقارنة مطابقة للحالة السورية، فالظروف والبنية التحتية والبيئة التشغيلية مختلفة، لكنها توضح أن الانتقال التقني في شبكات الاتصالات لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر مراحل تبدأ من تحديث البنية القائمة، وتوسيع التغطية، ثم إدخال تقنيات أحدث، حسب الدراسات المتاحة. وتقول "زين العراق" إنها أطلقت 4G-LTE في 2021، ثم أعلنت في 2024 استثمارات كبيرة لترقية الشبكة، وتنفيذ تقنيات جديدة وزيادة السعة وتحديث شبكة التراسل.
هل تعيد سيريتل وصل السوريين؟
لم تُخلّف المعارك العسكرية وإهمال الإدارة السابقة شبكة اتصالات ضعيفة فحسب، بل أسهما أيضاً في تقسيم السوريين بين شبكات ومناطق منفصلة، لكل منها وسائل وشبكات اتصالها الخاصة.
ويُحسب للإدارة الحالية للشركة أن إعادة بناء الشبكة لم تقتصر على المناطق التي كانت سيريتل حاضرة فيها، بل امتدت إلى مناطق بقيت سنوات خارج الربط المتكامل.
ومن الواضح أن لهذه الخطوة أهمية رمزية تفوق مجرد بناء أبراج وشبكات اتصال في مناطق جديدة.
وتقول "سيريتل" إن أعمال إعادة التأهيل والإنشاء والتحديث امتدت إلى مختلف المحافظات السورية، وإنها تعمل على تركيب أبراج جديدة وترميم وتحديث الأبراج القائمة، ضمن خطة تستهدف توسيع التغطية على مستوى البلاد.
وقد تواصلنا مع سيريتل للحصول على أرقام تفصيلية حول ما أنجز منذ التحرير. وتقدم الشركة اليوم بيانات عن أعمال تطوير الشبكة، وتوزّع الأبراج، والتقنيات المستخدمة، بما يتيح الانتقال من الحديث العام عن "تحسين الشبكة" إلى متابعة أرقام يمكن قياسها ومقارنتها من فترة إلى أخرى.
وفي مادة تبحث عن تحول بهذا الحجم، ربما تكون هذه واحدة من أهم النقاط: أن يصبح ما تنفذه الشركة قابلاً للمتابعة والقياس، لا مجرد وعود عن المستقبل.
الإنترنت.. سوق عمل جديد
أضعف الإنترنت البطيء والمتقطع فرص السوريين في التعليم والعمل عن بُعد. هذه ليست خسارة هامشية؛ ففي 2025، بلغت صادرات الخدمات القابلة للتقديم رقمياً نحو 5.4 تريليون دولار، وأصبحت تمثل 56% من إجمالي صادرات الخدمات العالمية، فيما بلغت الصادرات الرقمية للبلدان النامية نحو 1.3 تريليون دولار.
أما في سوق العمل، فيُقدّر البنك الدولي عدد العاملين عبر المنصات الرقمية حول العالم بما يتراوح بين 154 و435 مليون شخص.
لهذا، فإن تطوير شبكة الاتصالات لا يتعلق فقط بأن تصبح المكالمة أوضح أو أن تزداد سرعة الإنترنت، بل يرتبط مباشرةً بقدرة السوريين على الوصول إلى التعليم، والعمل عن بُعد، والخدمات الرقمية، والأسواق خارج حدود مناطقهم.
وبحسب الأرقام المعلنة من سيريتل، شهد الاستثمار في شبكة 4G منذ التحرير حتى اليوم زيادة تتجاوز 90%، فيما بلغت الزيادة في شبكة 4G+ نحو 26%. وتضع الشركة أمامها خلال العام الحالي أهدافاً لاستكمال تطوير الشبكة وتوسيع نطاق خدماتها، من بينها إنشاء ما يصل إلى 1000 برج جديد، والعمل على تغطية أكثر من 90% من المناطق، وتوفير الخدمة لأكثر من 85% من المواطنين.
هذه الأهداف لا تعني أن التغطية وصلت فعلاً إلى هذه المستويات، بل إنها أهداف معلنة تضع سيريتل تحت الاختبار.
من استعادة الشبكة إلى بناء شبكة وطنية، هل تنجح سيريتل؟
تشير الخطوات التي اتخذتها سيريتل منذ التحرير إلى أن الشركة بدأت مساراً جاداً نحو العودة إلى السوريين، غير أن تثبيت هذا التحول يتطلب استكمال ما بدأته. فما تزال فجوة الأبراج كبيرة، والتغطية ضعيفة في مناطق عديدة، كما أن تجاوز إرث اسم التصق طويلاً بالفساد وتمويل النظام البائد يحتاج إلى وقت ونتائج متراكمة يلمسها المشتركون في حياتهم اليومية.
لكن تجاهل ما بدأ يتغير ليس حياداً أيضاً، فقد أصبحت أمامنا أرقام وبيانات يمكن اختبارها وتتبع تطورها، من بينها: الانتقال في طريقة إدارة الشركة، وعدد الأبراج المنجزة والمخطط لإنجازها، والتوسع في مختلف المحافظات السورية، والترقية المستمرة للشبكة.
أمام سيريتل اليوم فرصة للتحول بحق إلى شركة وطنية لجميع السوريين، ومن الواضح أنّ المسار العام والمعطيات المتوفرة يدعمان هذا الاتجاه، وهو ما يأمله السوريون الذين ينتظرون تطور مشغلهم الوطني.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية