مع إطلالة موسم حصاد القمح، تتجدد في قرى وريف محافظة الحسكة، ولا سيما في مدن المالكية (ديريك)، والدرباسية، والقامشلي، ملامح واحد من أبرز الطقوس التراثية المرتبطة بالأرض والموسم الزراعي؛ ألا وهو إعداد "السليقة"، أو ما يُعرف باللغة الكردية بـ "الدانوك"، وهي عادة شعبية متوارثة ما زالت تحتفظ بمكانتها العميقة في الذاكرة الجمعية لأهالي المنطقة.
وفي هذه الفترة من كل عام، يحرص الأهالي على إحياء هذا الموروث عبر طقوس جماعية تبدأ بتحميص حبوب القمح الأخضر على نار الحطب حتى تكتسب لونها الذهبي ورائحتها الفريدة، قبل أن تُدقّ وتُقدّم بطرائق مختلفة؛ فمنهم من يفضل تناولها مع اللبن، أو الزيت، أو السكر، بحسب العادات المتوارثة التي تختلف تفاصيلها من قرية إلى أخرى.
ولا تقتصر "السليقة" في نظر أبناء المنطقة على كونها وجبة موسمية فحسب، بل تعدّ مناسبة اجتماعية جامعة تعكس روح التعاون والتكافل؛ إذ تتجمع العائلات والجيران للمشاركة في مراحل إعدادها وسط أجواء طافحة بالألفة والفرح، متزامنة مع فرحة انتهاء موسم الحصاد واستقبال غلال العام.
ويؤكد عدد من كبار السن أن هذا التقليد الشعبي يمثل جزءاً أصيلاً من الهوية الزراعية لمحافظة الحسكة، لارتباطه الوثيق بمواسم الخير والبركة، فضلاً عن كونها وسيلة حية للحفاظ على الموروث الثقافي ونقله للأجيال الصاعدة، من خلال إشراك الأطفال في خطوات التحضير لتعريفهم بتفاصيل هذا الإرث العريق.
هذا الحضور العفوي للنساء والأطفال وما يرافقه من أغانٍ وأهازيج تراثية، يضفي على المناسبة طابعاً احتفالياً فريداً، يبرز تمسك المجتمع الريفي بعاداته وتقاليده الأصيلة، ويؤكد قدرة هذا الإرث الثقافي على الصمود والاستمرار رغم ما شهدته المنطقة من تغيرات اجتماعية خلال السنوات الماضية.
هكذا، تبقى "السليقة" أو "الدانوك" أعمق بكثير من مجرد طبق شعبي؛ فهي رمز نابض لذاكرة الريف الحسكاوي، وعنوان متجدد لعلاقة متجذرة تجمع الإنسان بالأرض، تحييها مواسم الحصاد عاماً بعد عام، لتبقى شاهدة على غنى وتنوع التراث الزراعي والثقافي للمنطقة.
أحمد العبيد - زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية