شكلت الحلقة الأولى من مقابلة الرئيس السوري أحمد الشرع في برنامج المقابلة، على قناة الجزيرة ظهورًا إعلاميًا لافتًا، ليس فقط بسبب الملفات التي تناولتها، وإنما بسبب الجمهور الذي وصلت إليه والجدل الواسع الذي أعقبها.
فالمقابلة لم تكن موجهة أساسًا إلى الجمهور السوري الذي تابع خلال الأشهر الماضية مواقف الرئيس وتصريحاته بشأن القضايا الداخلية والخارجية، بقدر ما فتحت نافذة مباشرة أمام جمهور عربي وإسلامي واسع، لم يعتد متابعة الرئيس السوري في حوار مطول ومباشر من هذا النوع.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، حققت المقابلة هدفًا استراتيجيًا واضحًا: الوصول إلى جمهور واسع وصعب، ونقل رؤية القيادة السورية الجديدة إليه مباشرة، بعيدًا عن الصورة التي تشكلت عن سوريا ورئيسها عبر سنوات من الحرب والاستقطاب السياسي والإعلامي.
حضور واسع وصورة رئاسية واثقة
حققت الحلقة نسبة مشاهدة مرتفعة فعليًا، ونجحت في استقطاب اهتمام تجاوز الدائرة السورية إلى المجال العربي الأوسع.
وظهر الرئيس خلالها بصورة صاحب رؤية وثقة، قادر على الحديث عن ملفات شديدة الحساسية، من مستقبل الدولة السورية إلى العلاقات الإقليمية وإسرائيل، ضمن خطاب سياسي متماسك في خطوطه الأساسية.
وتكتسب هذه الصورة أهمية مضاعفة حين يكون الجمهور المستهدف خارج سوريا، حيث لا يتابع قطاع واسع من المشاهدين العرب بصورة يومية تصريحات الرئيس أو تفاصيل النقاش السياسي السوري.
وبالتالي، فإن قيمة المقابلة لا يمكن قياسها فقط بمقدار المعلومات الجديدة التي قدمتها للسوري المتابع للشأن العام، وإنما أيضًا بحجم الجمهور الجديد الذي استمع إلى هذه الرؤية مباشرة.
لم يقدم جديدًا.. هل كان مطلوبًا تغيير المواقف؟
كان تكرار بعض الإجابات من أبرز الانتقادات التي وجهت إلى المقابلة، إذ رأى منتقدون أن الرئيس أعاد مواقف سبق أن طرحها في لقاءات داخلية أو عبر وسائل إعلام وطنية، خصوصًا في ملفات مثل الدستور والعدالة الانتقالية.
لكن هذا الانتقاد يتجاهل طبيعة الخطاب الرسمي.
فالموقف السياسي للدولة لا يفترض أن يتغير بتغير المنبر الإعلامي، ومن الطبيعي أن تتقارب الإجابات بشأن الملفات الأساسية بين مقابلة وأخرى. بل إن التناقض بين المواقف على المنابر المختلفة كان سيطرح أسئلة أكثر جدية من تكرارها.
والأهم أن الجمهور ليس واحدًا.
فما يبدو للسوري الذي يتابع تفاصيل الخطاب الرسمي يوميًا على أنه موقف سمعه سابقًا، قد يكون بالنسبة إلى مشاهد عربي أو مسلم خارج سوريا أول فرصة يسمع فيها هذا الطرح بصورة مباشرة ومتكاملة.
وهنا يصبح تكرار الموقف أمام جمهور جديد جزءًا من وظيفة المقابلة، لا نقطة ضعف فيها.
إسرائيل.. جدل كان موجودًا قبل المقابلة
أثار حديث الرئيس عن إسرائيل وإمكانية التوصل إلى اتفاق أمني اعتراضات لدى شريحة من الجمهور، وكان هذا الملف من أكثر أجزاء الحلقة إثارة للنقاش.
لكن الاعتراض على هذا التوجه لم يبدأ مع المقابلة.
فالشريحة الرافضة لأي حديث عن تفاهم أو اتفاق أمني مع إسرائيل تحمل هذا الموقف منذ مرحلة التحرير، ولذلك فإن ظهور الاعتراض بعد الحلقة يعكس خلافًا سياسيًا قائمًا مسبقًا أكثر مما يعكس نتيجة أنتجتها المقابلة نفسها.
وفي المقابل، قدم الرئيس مقاربة تقوم على المصارحة بواقع الحرب وموازين القوى، بدل الانجرار إلى خيارات أكثر انفجارية في منطقة دفعت خلال العقود الماضية أثمانًا كبيرة للصراعات المفتوحة.
وهذه المقاربة وجدت صدى إيجابيًا بصورة خاصة لدى جزء من الجمهور الفلسطيني، الذي رأى في حديث الرئيس قراءة عقلانية لمسألة الحرب مع إسرائيل مقارنة بخيارات إقليمية أخرى تقوم على التصعيد المفتوح مهما كانت تكلفته.
ارتياح خليجي تجاه سوريا الجديدة
لم تقتصر الرسائل التي حملتها المقابلة على القضية الفلسطينية أو إسرائيل.
ففي الخليج، ترك ظهور الرئيس انطباعًا إيجابيًا لدى قطاع من الجمهور، استشعر من الخطاب أن سوريا الجديدة تتجه إلى لعب دور مختلف في المنطقة: دولة يمكن أن تكون عامل استقرار ومساندة لمحيطها العربي، لا عبئًا سياسيًا وأمنيًا عليه.
وهذه نقطة بالغة الأهمية في قراءة أثر المقابلة.
فسوريا تخرج من سنوات طويلة ارتبط اسمها خلالها بالحرب والنزوح والتدخلات الإقليمية والصراعات الأمنية. وتغيير هذه الصورة لدى الجمهور العربي لا يتحقق فقط بالقرارات السياسية، بل يحتاج أيضًا إلى خطاب قادر على تقديم تصور واضح لموقع سوريا الجديد وعلاقتها بمحيطها.
ومن هذه الزاوية، أسهمت المقابلة في تقديم صورة لسوريا تريد العودة إلى محيطها العربي بوصفها شريكًا، لا ساحة صراع.
هل كثرة الانتقادات تعني فشل المقابلة؟
برزت أيضًا قراءة تربط بين حجم الانتقادات التي أعقبت الحلقة وبين نجاحها أو فشلها، وكأن المقابلة الناجحة هي تلك التي تنتهي من دون اعتراضات.
لكن الظهور الإعلامي لرئيس دولة على منبر عربي واسع ليس حدثًا يمكن قياسه بهذا المعيار.
أي مقابلة رئاسية بهذا الحجم هي مقايضة إعلامية وسياسية محسوبة: تمنح فرصة للوصول إلى جمهور ضخم، لكنها تفتح في الوقت نفسه المجال أمام التدقيق والنقد والاختلاف وإعادة تفسير كل إجابة.
وبالتالي، فإن النجاح لا يقاس بغياب النقد، وإنما بمدى تحقق الهدف الأصلي من الظهور.
بل إن حجم الجدل الذي أعقب الحلقة يشير، في جانب منه، إلى حجم الأثر الذي أحدثته. فالمقابلة التي تمر دون اهتمام أو نقاش لا تنتج أصلًا هذا المستوى من التفاعل.
وهذا لا يعني أن كل نقد دليل نجاح، لكنه يعني في المقابل أن وجود النقد لا يمكن استخدامه تلقائيًا دليلًا على الفشل.
الداخل السوري ليس المقياس الوحيد
المشكلة الأبرز في جزء من تقييمات الحلقة كانت اعتماد المزاج السوري الداخلي مقياسًا وحيدًا للحكم عليها.
فالجمهور السوري هو الأكثر متابعة للرئيس، والأكثر معرفة بالمواقف التي سبق أن أعلنها، والأكثر انتظارًا بطبيعة الحال لتفاصيل جديدة تتعلق بمستقبل المباشر.
لكن هذا لم يكن الجمهور الوحيد، ولا المستهدف الأساسي من هذا الظهور.
المقابلة توجهت عبر منصة عربية واسعة إلى جمهور خارج سوريا، ومن هنا يجب أن يكون تقييمها مرتبطًا أيضًا بما أحدثته لدى هذا الجمهور.
وبهذه المقارنة، تبدو جرعة النقد الصادرة عن بعض السوريين جزءًا من الصورة، لكنها لا تختصرها.
فالاختراق الذي تحقق لدى جمهور عربي لم يكن متابعًا سابقًا، ونسبة المشاهدة المرتفعة، والصورة التي ظهر بها الرئيس بوصفه صاحب رؤية وثقة، إلى جانب الانطباعات الإيجابية التي سجلت لدى الجمهورين الفلسطيني والخليجي، تمثل مكاسب أكبر بكثير من الملاحظات الفنية التي سجلت على الحلقة.
ماذا حققت الحلقة الأولى؟
إذا كان الهدف من المقابلة تقديم سلسلة من المواقف الجديدة للسوريين، فقد يجد بعض المشاهدين أن جزءًا من الإجابات كان مألوفًا.
أما إذا كان الهدف هو نقل رؤية سوريا الجديدة إلى جمهور عربي وإسلامي واسع، وإتاحة الفرصة لهذا الجمهور للاستماع مباشرة إلى رئيسها بشأن أكثر الملفات حساسية، فإن الحلقة حققت هدفها الاستراتيجي بوضوح.
فقد نجحت في تجاوز حدود النقاش السوري الداخلي، ووضعت رؤية الرئيس أمام جمهور أوسع، وفتحت نقاشًا عربيًا حول سوريا الجديدة وعلاقتها بمحيطها ومستقبل سياستها الخارجية.
كما كشفت ردود الفعل الفلسطينية والخليجية أن الرسائل لم تصل فقط، بل أحدثت انطباعات إيجابية لدى جمهورين مهمين في معادلة سوريا الإقليمية الجديدة.
وبموازنة هذه النتائج مع الانتقادات التي أثيرت، تبدو الملاحظات المسجلة محدودة مقارنة بالمكاسب التي حققها الظهور.
الحلقة الأولى لم تكن مجرد مقابلة تبحث عن الجديد في كل إجابة، بل كانت عملية تقديم سياسي وإعلامي لرؤية سوريا الجديدة أمام جمهور يتجاوز حدودها.
وهنا تحديدًا تكمن أهميتها.
زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية