تُشير الحوادث المتلاحقة في المنشآت الحيوية السورية إلى نمط إداري متكرر يتجاوز حدود "الأخطاء الفردية" ليعكس أزمة بنيوية وعميقة في حوكمة المرافق العامة. فمن انفجار صوامع ومطاحن الحبوب بدمشق في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وصولاً إلى أزمة إدارة منسوب المياه في بحيرة الفرات الحالية، يبرز القاسم المشترك: اتخاذ القرار الاعتباطي، غياب الصيانة الحقيقية، وغياب آليات المحاسبة الصارمة.
كارثة صوامع دمشق: تشريح "الانفجار الغباري"
في تشرين الأول/أكتوبر 2025، شهد فرع دمشق للحبوب كارثة أدت إلى خروج مطحنتين من الخدمة (بطاقة طحن يومية تقارب 200 طن)، وتضرر صومعة تخزين سعتها نحو 100 ألف طن، بالإضافة إلى خسارة أرواح ثلاثة عمال قضوا متأثرين بحروقهم.
من الناحية الفنية، لم تكن الحادثة مجرد "قضاء وقدر" غير قابل للتفادي، بل صُنفت علمياً كـ "انفجار غباري" (Dust Explosion) . ويحدث هذا التفاعل اللحظي السريع نتيجة ارتقاع تركيز جزيئات غبار القمح العالقة في الهواء داخل بيئة مغلقة، مما يولد ضغطاً وحرارة هائلين في حال توفر عامل اشتعال.
وفقاً للمعطيات الميدانية، نتج الانفجار عن تداخل مباشر بين غياب شروط السلامة والقرار الإداري العشوائي:
• المادة المستخدمة: غاز "فوسفيد الألمنيوم" (المستعمل في التعقيم)، وهو غاز عالي الاشتعال يتطلب خطة توزيع دقيقة وتدفقاً هوائياً مستمراً.
• الواقع الفني: كانت هناك مروحة شفط واحدة تعمل بكفاءة منخفضة، مع تعطل كامل لسلاسل التوزيع، مما أدى إلى حصر الغاز مع الغبار.
• القرار الإداري: رغم تنبيه العامل المناوب للمدير بالخلل الفني، صدر الأمر المباشر بتشغيل المنشأة دون معالجة الثغرات، ومغادرة الإدارة للموقع قبل وقوع الانفجار بدقائق.
من الصوامع إلى سد الفرات: استنساخ النهج الإداري
لا يبدو أن الدروس المستفادة من كارثة مطاحن دمشق قد جرى تطبيقها في قطاعات أخرى. اليوم، تواجه بنية سد الفرات تحدياً كامناً يهدد السلامة العامة، حيث تحتجز بحيرة الفرات قرابة 2 مليار متر مكعب إضافي من المياه فوق منسوب الخطر.
ورغم رصد هذه الزيادة والتحذير من ضرورة التفريغ التدريجي والمدروس منذ ما يقارب الشهرين، إلا أن فتح العنافات بشكل مفاجئ ومؤخّر يعيد للأذهان تشغيل مراوح الضغط في الصوامع وهي معطلة، وسط مؤشرات على وجود هدر مالي عبر "فواتير إصلاح وهمية" لم تنعكس على الكفاءة التشغيلية الفعلية للعنافات وشبكات التصريف.
المقاييس الهيكلية للأزمة: أربعة كوابح للتنمية
تُظهر المقارنة التحليلية بين ملفي الغذاء (الصوامع) والمياه (السدود) أربعة عوامل رئيسية تحكم أداء المؤسسات التنفيذية الحالية:
1. معايير التعيين وآلية الاختيار: استمرار الاعتماد على الولاء الشخصي أو شبكات المصالح الفاسدة كمعيار أساسي لشغل المناصب القيادية في مفاصل الدولة، على حساب الكفاءة الفنية والخبرة الإدارية.
2. عقلية التجريب والتعنت: غياب التخطيط الاستشرافي وإدارة المخاطر، والاعتماد على فرض القرارات الفردية وترك النتائج للتجربة الميدانية، حتى وإن كانت المنشآت حيوية وتمس الأمن القومي.
3. محدودية الردع والمحاسبة: يثير غياب الشفافية حول نتائج التحقيقات في انفجار المطاحن تساؤلات مشروعة حول مدى جدية السلطات في محاسبة المسؤولين، وهو ما يفسر استمرار الإهمال في ملف بحيرة الفرات دون خشية من التبعات القانونية.
4. اختلال سلم الأولويات التنموية: توجيه الموارد المتاحة نحو تحسين "الهوية البصرية" للمؤسسات أو توفير المزايا العينية للمسؤولين (كأساطيل السيارات)، على حساب الصيانة الدورية للبنى التحتية التحتية وشبكات الأمان الصناعي.
إن استمرار المؤشرات الحالية يضع السدود والمنشآت الحيوية في مختلف القطاعات أمام خطر التآكل التدريجي أو الانهيار المفاجئ. إن الانتقال من نمط "الإدارة بالصدمة" إلى نمط "الإدارة بالتحوط" يتطلب صياغة خطة طوارئ وطنية عاجلة، تعتمد المعايير العلمية الصارمة في التشغيل والصيانة، وتفصل بين الولاء السياسي والكفاءة المهنية، وتفعل سلطة القانون في المحاسبة بأثر رجعي لحماية ما تبقى من أصول ومرافق عامة.
زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية