بعد أكثر من عقد من الزمن عانى فيه قطاع المحروقات في سوريا من تداعيات الحرب، والدمار الذي طال البنية التحتية، وما تلاها من فوضى في الانتشار والخدمات، تتجه الأنظار اليوم نحو "ثورة تنظيمية" جديدة. ولا تقتصر هذه الخطوة على تنظيم تراخيص البناء فحسب، بل تمتد لترسم ملامح مستقبلية لمحطات الوقود، محاولةً نقلها من "نقاط تعبئة" تقليدية إلى مراكز خدمية متكاملة تتبنى معايير الأمان العالمية.
من الانضباط إلى "اقتصاد الحرب"
قبل عام 2011، كانت محطات الوقود في سوريا تخضع لرقابة صارمة من قبل وزارة النفط وشركة "سادكوب"، مع حد أدنى مقبول من معايير السلامة. ومع اشتداد الحرب، تغير المشهد جذرياً: فخرج الكثير من المحطات عن الخدمة بعد تدمير المئات منها في المناطق الساخنة.
وظهور "المحطات العشوائية" وانتشار ظاهرة بيع الوقود على الطرقات وفي محطات "مسبقة الصنع" غير مرخصة تفتقر لأدنى مقومات السلامة، مما أدى لحوادث حريق مأساوية.
والفساد والهدر وغياب الرقابة الإلكترونية سهل عمليات التلاعب بالكميات والخلط والتهريب.
معايير عالمية على أرض سورية
وتأتي التوجهات التنظيمية الجديدة لتضع حداً لهذه الفوضى عبر حزمة من الإجراءات التقنية التي تُطبق لأول مرة بهذا الشمول تنفذ خلال 3 سنوات: "السلامة أولاً (معايير NFPA و ATEX): إذ لم يعد الالتزام بسلامة الحريق مجرد خيار، بل أصبح إلزاماً باعتماد معايير دولية مثل NFPA (الجمعية الوطنية للحماية من الحرائق) و ATEX (المواصفات الخاصة بالأجواء الانفجارية). وهذا يعني تجهيز المحطات بمعدات كهربائية وميكانيكية تمنع حدوث شرر في بيئات مشبعة بالأبخرة، مما يقلل احتمالية الكوارث في المناطق المكتظة.
وكذلك الرقابة الرقمية ومنع الهدر: والابتكار الأبرز هو ربط المحطات إلكترونياً بوزارة الطاقة وغرف التحكم عبر أنظمة كشف التسرب.
ووفق مراقبين فإن هذه الخطوة تحقق هدفين في آن واحد فمن الناحية البيئية يتم حماية التربة والمياه الجوفية من تسرب المشتقات النفطية.
ومن الناحية الاقتصادية يجري منع التلاعب بالخزانات وضمان وصول كل لتر من الوقود إلى مستحقه، مما يقلص "الثقب الأسود" للهدر المالي.
المحطة المتكاملة: هل نودع المفهوم القديم؟
ويتساءل الكثيرون: "هل سنرى كازياتنا استراحات حقيقية؟" التي تضم: خدمات لوجستية (مطاعم، كافيتريات، غسيل سيارات).
ولعل إلزام المحطات بتركيب شواحن للسيارات الكهربائية، يمثل استشرافاً مبكراً لتحول قطاع النقل، ورغم أزمة الكهرباء الحالية، إلا أنه يضع حجر الأساس لبنية تحتية حديثة.
البعد الاجتماعي والتنظيمي
ولم يغفل الإطار الجديد الحرم السكني والاجتماعي؛ حيث تم تشديد الضوابط على المسافات الفاصلة بين المحطات والمنشآت الحساسة مثل المدارس والمشافي. وهذا التنظيم يهدف إلى تقليل المخاطر الصحية (الضجيج والانبعاثات) والمخاطر الأمنية (في حال وقوع حوادث).
وبحسب محللين اقتصاديين فإن نجاح هذا الإطار التنظيمي الموحد يعتمد بشكل أساسي على "آليات التنفيذ" وقدرة المستثمرين على تحمل تكاليف التقنيات العالية (مثل أنظمة ATEX و VR). لكن، وهذا التحول نحو هذه المعايير هو الممر الإلزامي الوحيد إذا أرادت سوريا إعادة بناء قطاع طاقة مستدام وآمن، يتجاوز إرث الحرب نحو الحداثة.
وخلاصة القول أن البلاد الآن أمام مرحلة "تنميط" جديدة لمحطات الوقود؛ فالمستهدف ليس مجرد "كازية"، بل منشأة اقتصادية وبيئية آمنة تليق بمتطلبات القرن الحادي والعشرين وتنهي حقبة الفوضى التي فرضتها سنوات الحرب وما قبلها.
زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية