أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الجزيرة تكتب التاريخ من زاوية واحدة: قراءة نقدية في فيلم "قصة أكراد سوريا"

بين السرد البصري الجذاب والانتقائية في الوقائع، يقدم فيلم "قصة أكراد سوريا" رواية تبدو متماسكة للوهلة الأولى، لكنها تخفي وراءها اختزالاً كبيراً لتاريخ الجزيرة السورية وتعقيداتها الديموغرافية والسياسية. فالفيلم لا يكتفي بعرض قصة إنسانية، بل يعيد ترتيب الأحداث والشهادات بطريقة تصوغ سردية سياسية محددة، تغيب عنها أصوات أخرى أساسية لفهم تاريخ المنطقة.

ليس جديداً أن تحاول بعض المنصات الإعلامية صياغة سرديات سياسية تحت غطاء إنساني أو تاريخي. غير أن ما يلفت الانتباه في فيلم "قصة أكراد سوريا الذي نشرته منصات تابعة لـ شبكة الجزيرة الإعلامية هو حجم الاختزال الذي يتعرض له تاريخ منطقة كاملة، وتقديمه ضمن رواية أحادية تبنى بعناية لتقود المشاهد إلى نتيجة سياسية محددة.

الفيلم، من الناحية الفنية، متماسك البناء، يعتمد على سرد بصري جذاب وشهادات شخصية مؤثرة، لكنه في جوهره لا يقدم قراءة تاريخية متوازنة بقدر ما يعيد إنتاج سردية سياسية شائعة في الإعلام الغربي خلال السنوات الأخيرة. وهي سردية تبدأ من المظلومية التاريخية وتنتهي بتبرير مشروع سياسي في الجغرافيا السورية.

أولى الإشكاليات في الفيلم تتعلق بالجغرافيا نفسها. فالمادة الإعلامية تستخدم مصطلح "شمال شرق سوريا" وكأنه توصيف تاريخي راسخ، بينما الحقيقة أن الاسم التاريخي المتداول في الوثائق العثمانية والسورية هو الجزيرة السورية. هذه التسمية ليست مجرد تفصيل لغوي، بل تعكس هوية جغرافية وتاريخية لمنطقة عرفت عبر قرون بتنوعها السكاني وارتباطها بقبائل عربية ومجتمعات سريانية وآشورية وأرمنية.

لكن الفيلم يتجاوز هذا السياق، ليقدم المنطقة وكأنها فضاء قومي واحد، في محاولة لخلق انطباع بأن الجزيرة السورية كانت تاريخياً موطناً كرديا واضح المعالم. وهذه إحدى أكبر الثغرات في العمل.

فالتاريخ الديموغرافي للجزيرة السورية معروف في المصادر التاريخية: لم يكن هناك وجود كردي واسع في المنطقة قبل أحداث العقد الثالث من القرن العشرين، حين أدت التطورات السياسية في تركيا إلى موجات نزوح عبر الحدود. بعد قمع ثورة الشيخ سعيد عام 1925 في الأناضول، لجأت مجموعات كردية إلى الأراضي السورية واستقر قسم منها في مناطق من الجزيرة خلال فترة الانتداب الفرنسي.

هذه الوقائع موثقة في دراسات تاريخية عديدة، لكنها تغيب بالكامل عن الفيلم، الذي يختار تقديم الوجود الكردي في المنطقة وكأنه امتداد تاريخي عميق، لا نتيجة لتحولات سياسية وهجرات حديثة نسبياً.

إشكالية أخرى لا تقل وضوحاً تتعلق بالمصادر والشهادات التي يعتمد عليها الفيلم. فالمادة تكاد تقتصر على شهادات شخصيات كردية أو باحثين يقدمون الرواية الكردية للأحداث، بينما تغيب تماماً شهادات مستقلة من عرب الجزيرة السورية أو من ممثلي المكونات الأخرى التي عاشت تاريخياً في المنطقة.

هذا الغياب ليس تفصيلاً بسيطاً. فعندما يروي طرف واحد القصة كاملة، فإن الرواية ستعكس حتماً زاوية نظره ومصالحه السياسية. ومن الطبيعي أن يتحدث أي مجتمع عن تاريخه بالطريقة التي تخدم رؤيته وهويته. لكن العمل الوثائقي الجاد لا يكتفي بصوت واحد، بل يفتح المجال لتعدد الروايات حتى يتمكن المشاهد من تكوين صورة أقرب إلى الواقع.

كما يعتمد الفيلم بشكل كبير على حادثة إحصاء الحسكة عام 1962 بوصفها حجر الأساس في المظلومية الكردية. ولا شك أن هذا الإجراء خلق مشكلات قانونية وإنسانية لآلاف الأشخاص. غير أن تقديم الحدث بمعزل عن سياقه التاريخي والسياسي يحوله إلى رمز مجرد، بينما الواقع أكثر تعقيداً ويتعلق بملفات الحدود والهجرة غير الشرعية والجنسية في تلك الفترة.

ويتكرر في العمل خلط واضح بين مستويين مختلفين من المطالب. فالسرد يبدأ بالحديث عن حقوق ثقافية مثل اللغة والهوية، وهي مطالب يمكن مناقشتها في أي مجتمع متعدد الثقافات. لكن الفيلم ينتقل تدريجياً إلى الحديث عن مشاريع سياسية مثل الحكم الذاتي أو الإدارة الخاصة، وكأن هذا الانتقال أمر طبيعي وحتمي، دون أي نقاش حقيقي للفارق بين المطالبتين.

وعند تناول مرحلة الحرب السورية، يركز الفيلم على دور قوات سوريا الديمقراطية في قتال تنظيم الدولة الإسلامية، في محاولة لترسيخ صورة هذه القوات بوصفها القوة التي حررت المنطقة. لكن الفيلم يتجاهل حقيقة أن تلك المعارك جرت ضمن تحالف دولي واسع وبغطاء عسكري أميركي مباشر، كما يتجاهل مشاركة قوى محلية عربية أخرى في القتال.

النتيجة النهائية لكل ذلك هي بناء سردية سياسية واضحة: مظلومية تاريخية، ثم نضال عسكري، ثم استحقاق سياسي. وهي صيغة سردية معروفة في كثير من الوثائقيات المعاصرة لأنها قادرة على التأثير في المشاهد عاطفياً قبل أن تدفعه للتفكير النقدي.

لكن المشكلة أن تاريخ الجزيرة السورية أعقد بكثير من هذه القصة المبسطة. فالمنطقة لم تكن يوماً حكراً على قومية واحدة، بل شكلت عبر تاريخها مساحة تداخل بين شعوب وثقافات متعددة. وتاريخها الحديث تشكل عبر تحولات سياسية كبرى وهجرات سكانية متبادلة، وليس عبر رواية قومية أحادية.

لهذا السبب، فإن أي محاولة لتقديم تاريخ الجزيرة السورية من زاوية واحدة فقط لا يمكن أن تكون قراءة موضوعية للتاريخ، بل تصبح جزءا من معركة السرديات السياسية الدائرة حول مستقبل المنطقة.

والتاريخ، كما هو معروف، لا يكتب بالشهادات الانتقائية ولا بالسرديات العاطفية، بل بتعدد المصادر وتوازن الروايات. وفي منطقة معقدة مثل الجزيرة السورية، يصبح الإنصاف في رواية التاريخ شرطا أساسياً لفهم الحاضر، لا مجرد خيار في بناء قصة إعلامية جذابة.

ريم الناصر - زمان الوصل
(564)    هل أعجبتك المقالة (9)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي