أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

نشاط أوروبي مكثف في دمشق وعودة الشركات العالمية.. هل أشعلت أسعار "117 دولاراً" سباق النفط السوري؟

هل أشعلت أسعار "117 دولاراً" سباق النفط السوري؟

تشهد العاصمة السورية دمشق هذه الأيام حراكاً اقتصادياً غير مسبوق في قطاع النفط والغاز، بالتزامن مع قفزة هائلة في أسعار النفط العالمية التي تخطت حاجز 117 دولاراً للبرميل، على وقع التصعيد العسكري في منطقة الخليج وتداعيات الحرب الأخيرة. 

في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في المشهد الطاقوي، تحتدم المنافسة على حقول سوريا بين شركات أوروبية وأميركية تعود إلى الواجهة، مدفوعة برغبة استغلال فرص الإنتاج في ظل أزمة طاقة عالمية خانقة وتصريحات بريطانية مثيرة للقلق حول عدم كفاية مخزون الغاز إلا لأيام معدودة. 

لقاءات تقنية وجولات ميدانية: شركة "إينا" تبدأ العمل فعلياً
في خطوة تؤشر لبدء مرحلة جديدة من الاستثمار الأوروبي المباشر، تم عقد لقاء فني عملي عُقد في دمشق، جمع وفداً من شركة "إينا" (INA) الكرواتية (التابعة لمجموعة مول المجرية) مع رئيس مجلس إدارة شركة "حيان"، الأستاذ سليمان ديب.

اللقاء لم يقتصر على الجانب النظري أو البروتوكولي، بل أكدت المصادر أن الشركة بدأت العمل فعلياً على الأرض. 

ومن المقرر أن تشهد الأيام القادمة – غداً أو بعدها – جولة ميدانية موسعة إلى الحقول، سيرافق خلالها الوفد السيد وليد يوسف، نائب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول. سيطّلعون خلال هذه الجولة عن كثب على واقع حقل حيان وغيره من الحقول المذكورة في المنطقة، في خطوة تعكس جدية الدخول في مرحلة التشغيل والتقييم الفني تمهيداً لبدء الإنتاج الفعلي أو تطويره. 

عودة عمالقة الطاقة: من "إي بي آر" العالمية إلى "جالف سانز" الأمريكية
على جانب آخر، لم يقتصر النشاط على الشركات الأوروبية فقط. شركة "إي بي آر" (IPR) العالمية (المعروفة سابقاً باسم شركة بتروبراس الأرجنتينية – روكا) نفذت منذ أيام قريبة زيارة ميدانية إلى حقول شركة "الرشيد". هذه الزيارة تحمل دلالات عميقة، إذ تؤكد بشكل رسمي عودة الشركة إلى الأراضي السورية بعد سنوات من الجمود والغياب وإعلان القوة القاهرة.

كذلك عودة الشركة الأمريكية "جالف سانز" (Gulf Sands) إلى سوريا، ولكن هذه المرة من خلال شركتها الفرعية "دجلة" العاملة في المنطقة.
 
وقد نفذت الشركة أيضاً زيارة ميدانية إلى الحقول، فيما تشير المعطيات إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد انطلاقة جديدة للعمل تحت مظلة الشركة السورية للبترول، مما يعكس تجاوباً دولياً مع جهود الحكومة السورية لاستئناف الإنتاج وتطوير الحقول. 

حقول سوريا: إنتاج متواضع وآمال طموحة في ظل ارتفاع الأسعار
حقل حيان الذي تستهدفه شركة إينا هو أحد الحقول الهامة في سوريا، ويقع ضمن مجموعة حقول تم تطويرها في العقود الماضية.

لكن التحدي الأكبر يكمن في استعادة مستويات الإنتاج التي تدهورت خلال سنوات الحرب. 

بحسب خبراء نفطيين، فإن قيمة الإنتاج المتوقعة من الحقول السورية حالياً تتوقف بشكل أساسي على سرعة إعادة التأهيل وضخ الاستثمارات. في الوقت الذي تحتاج فيه سوريا إلى ما بين 150 و200 ألف برميل يومياً لتغطية الاستهلاك المحلي، فإن الإنتاج الحالي لا يتجاوز 25-30 ألف برميل يومياً في أفضل الأحوال، معظمها من الحقول الشرقية التي عادت مؤخراً تحت سيطرة الدولة. 

التوقعات المبدئية:
- في حال نجاح المفاوضات مع الشركات الأوروبية والأميركية، يمكن رفع الإنتاج إلى 50-60 ألف برميل يومياً خلال عام، مع استهداف الوصول إلى 100 ألف برميل خلال 2-3 سنوات.
- قطاع الغاز هو الأكثر إلحاحاً، حيث تحتاج سوريا إلى نحو 23 مليون متر مكعب يومياً من الغاز لتشغيل محطات الكهرباء بكامل طاقتها، في حين أن الإنتاج الحالي لا يتجاوز 10-12 مليون متر مكعب، مما يفسر تفاقم أزمة الكهرباء.

هل سالت لعاب الشركات؟.. 117 دولاراً وأزمة الغاز البريطاني
التوقيت هو سر الصفقة. فالتصعيد الأخير في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز رفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية. سجل خام برنت الاثنين الفائت 117.65 دولاراً للبرميل، وهي أعلى مستوياته منذ منتصف 2022، بعد قفزة تجاوزت 26% في جلسة واحدة. هذا الارتفاع الجنوني يجعل أي برميل نفط يُستخرج من الصحراء السورية ذا قيمة اقتصادية هائلة، ويكفي لإغراء أي شركة للمخاطرة بالعودة. 

لكن العامل الأكثر إلحاحاً ربما يكون الغاز الطبيعي. ففي بريطانيا، أثيرت ضجة إعلامية كبرى خلال الساعات الماضية حول تقارير تفيد بأن المخزون الاستراتيجي البريطاني من الغاز لا يكفي سوى "أيام قليلة"، وسط تحذيرات من شتاء قارس. ورغم نفي الحكومة البريطانية رسمياً لهذه التقارير، إلا أن تصريحاتها كشفت عن حقيقة أن المخزون يشكل جزءاً صغيراً فقط من مزيج الطاقة، مما يعني أن أي انقطاع للإمدادات الخارجية سيضع البلاد في مأزق حقيقي. 

هذا الخوف الأوروبي من شتاء بارد دون غاز كافٍ أو انقطاع مستمر، هو ما يفسر اندفاع الشركات الأوروبية إلى دمشق اليوم. فالغاز السوري، رغم تراجع إنتاجه، يبقى خياراً استراتيجياً لقربه الجغرافي من الأسواق الأوروبية عبر البحر المتوسط، وقدرته على توفير بديل آمن بعيداً عن تقلبات المضائق الدولية المغلقة.

سباق نحو الطاقة أم نحو النفوذ؟
الانتعاش الحالي في قطاع الطاقة السوري ليس مجرد صدفة، بل هو تداخل معقد بين العوامل السياسية والاقتصادية. مع عودة الحقول إلى الإدارة المركزية، ورفع العقوبات تدريجياً عن المؤسسات النفطية، ومع وصول أسعار الطاقة إلى عنان السماء، يبدو أن دمشق تتحول بسرعة إلى بؤرة جذب جديدة لشركات النفط الكبرى. 

الأسابيع القادمة، وتحديداً مع جولات المسؤولين الفنية في حقلي حيان والرشيد ودجلة، سترسم ملامح هذه الشراكة الجديدة التي قد تعيد رسم خارطة الطاقة في شرق المتوسط. وبينما تتسابق الشركات على وضع أقدامها في السوق السورية، يبقى السؤال الأهم: هل ستترجم هذه الزيارات إلى عقود إنتاج حقيقية تعيد سوريا إلى مصاف الدول المصدرة للطاقة؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

زمان الوصل
(24)    هل أعجبتك المقالة (6)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي