توفي اللواء المتقاعد "محمد الخولي" في العاصمة اللبنانية بيروت، حيث أقام خلال سنواته الأخيرة بعيدًا عن الأضواء، بعد مسيرة أمنية طويلة ارتبطت بإدارة واحدة من أكثر الأجهزة نفوذًا في تاريخ سوريا الحديث، وهي إدارة المخابرات الجوية.
وشكّل الخولي، على مدى عقود، أحد أبرز أعمدة المنظومة الأمنية في عهد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وأسهم في ترسيخ الدور المحوري للمؤسسات الاستخباراتية في بنية الدولة السورية، خاصة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين.
وبحسب الباحث "سامر الموسى" وُلد محمد الخولي عام 1937 في قرية الحصنان قرب بيت ياشوط، على الطريق الواصل بين الساحل السوري ومنطقة الغاب. ينحدر من أسرة ريفية؛ كان والده رجل دين ومن صغار الملاك في الريف، ولم تكن العائلة من طبقة الوجهاء التقليديين.
وتشير بعض الدراسات الاجتماعية، ومنها ما أورده الباحث حنا بطاطو في كتابه فلاحو سورية، إلى أن الخولي ينتمي إلى عشيرة الحدادين، إحدى العشائر البارزة لدى الطائفة العلوية. كما تناول المؤرخ عبد الله حنا توصيفًا للبنية الاجتماعية الريفية آنذاك، موضحًا أدوارًا تقليدية كان يشغلها بعض الأفراد كوسطاء بين الإقطاعيين والفلاحين، في سياق تركيبة اجتماعية معقدة سبقت التحولات السياسية الكبرى في البلاد.
الصعود داخل المؤسسة العسكرية والأمنية
بدأت ملامح صعود الخولي بالظهور في منتصف ستينيات القرن الماضي، حين كان مقربًا من حافظ الأسد خلال توليه وزارة الدفاع وقيادة القوى الجوية. وفي عام 1966 عُيّن نائبًا لمدير المخابرات الجوية، قبل أن يتولى رئاستها عام 1971 خلفًا للعقيد ناجي جميل الذي أصبح قائدًا للقوى الجوية والدفاع الجوي.
وقد شكّل تأسيس جهاز المخابرات الجوية حالة استثنائية داخل البنية العسكرية السورية، إذ جرى تطويره ليعمل بصورة شبه مستقلة عن "الشعبة الثانية" (الاستخبارات العسكرية التقليدية)، ما عزز نفوذه ومجال حركته. ويرى بعض الباحثين أن هذا النموذج استلهم جزئيًا تجارب استخباراتية خارجية، مع تعديلات تناسب الواقع السوري آنذاك.
الدعائم الخفية للنظام
برز اسم الخولي بقوة خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث اعتُبر من الدائرة الأمنية الضيقة المحيطة بحافظ الأسد. ويذكر الصحفي والمؤرخ البريطاني باتريك سيل في كتابه عن الأسد أن الخولي شكّل مع اللواء محمد ناصيف خير بيك واللواء علي دوبا ما وصفه بـ"الدعائم الخفية الثلاث" للنظام، في إشارة إلى الدور الأمني العميق الذي أدّوه في تثبيت السلطة.
وبحسب باتريك سيل" فإن حافظ الأسد أوكل إلى الخولي مهمة اعتقال أنصار اللواء صلاح جديد في الحزب والجيش والحكومة عند الانقلاب على القيادة القطرية في 13 تشرين الثاني 1070 فاعتقلهم بسهولة.
لعب العقيد محمد الخولي دورا كبيرا مع الدخول السوري إلى لبنان حيث يقول كريم بقرادوني في كتابه السلام المفقود أن الخولي كان صلة الوصل بين الأطراف المسيحية والقيادة السورية كما أنه كان عضوا في اللجنة الرباعية التي شكلتها جامعة الدول العربية لحل الأزمة عام 1977
وخلال رئاسته، تحولت المخابرات الجوية إلى جهاز أمني واسع النفوذ، لعب دورًا مركزيًا في متابعة المعارضين السياسيين داخل سوريا وخارجها، كما ارتبط اسمه بعمليات أمنية معقدة وملفات إقليمية حساسة، خاصة في لبنان.
الدور في لبنان
وارتبط اسم الخولي باتهامات بالإشراف على عمليات استهدفت شخصيات سياسية لبنانية وسورية معارضة خلال تلك الفترة، من بينها اغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط عام 1977، والصحفي سليم اللوزي، إضافة إلى اغتيال بنان الطنطاوي في ألمانيا، زوجة المعارض السوري عصام العطار.
ورغم تداول هذه الاتهامات في الأدبيات السياسية والإعلامية، لم يصدر حكم قضائي مباشر يدين الخولي شخصيًا في تلك القضايا، وظلت مرتبطة بسياق الصراع السياسي الإقليمي آنذاك.
ومن بين الضباط الذين عملوا في الجهاز خلال فترة قيادته اللواء إبراهيم حويجة، الذي تولّى لاحقًا رئاسة إدارة المخابرات الجوية.
سنوات الابتعاد عن المشهد العام
ابتعد الخولي عن الواجهة منذ سنوات طويلة عقب خروجه من العمل الأمني، وظل اسمه مرتبطًا بمرحلة صعود الأجهزة الاستخباراتية في عهد حافظ الأسد، حين لعبت المؤسسات الأمنية دورًا أساسيًا في إدارة الدولة وتوازناتها الداخلية والإقليمية.
توفي في بيروت، المدينة التي شكّلت إحدى أبرز ساحات نفوذ الأجهزة الأمنية السورية خلال سنوات الحرب اللبنانية، والتي ارتبط اسمه فيها بمرحلة ثقيلة من التدخلات الأمنية والسياسية. وبرحيله يُطوى فصل مثير للجدل من تاريخ المؤسسة الأمنية السورية، فصلٌ تكرّس فيه نفوذ الاستخبارات بوصفها أداة حاكمة في إدارة الدولة، وتغليب المقاربة الأمنية على الحياة السياسية، سواء داخل سوريا أو في محيطها الإقليمي، خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية