أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بعد ستة عقود من صدوره… لماذا يثير قانون الإصلاح الزراعي الجدل مجدداً في سوريا؟

مزارع في عفرين - جيتي

عاد الحديث مؤخراً عن أراضي الإصلاح الزراعي في سوريا، وتناقل الناس آراء كثيرة حول بيعها وشرائها، ووصل النقاش أحياناً إلى حدود الفتوى الدينية. غير أن هذه المسألة في حقيقتها ليست جديدة، بل هي قضية قديمة مؤجلة عادت للظهور بعد سنوات طويلة من التعامل الاجتماعي الهادئ معها.

وهذا المقال لا يتناول الحكم الشرعي ولا يهدف إلى ترجيح أي رأي فقهي، وإنما يقتصر على شرح الواقع القانوني لهذه الأراضي، لأن أي نقاش آخر يبقى مبنياً أولاً على فهم طبيعتها القانونية.

صدر قانون الإصلاح الزراعي بموجب المرسوم التشريعي رقم 161 لعام 1958 في عهد الجمهورية العربية المتحدة، في مرحلة كانت فيها الملكيات الزراعية الكبيرة مركّزة بيد عدد محدود من المالكين، بينما يعمل في الأرض عدد كبير من الفلاحين دون ملكية. فجاء القانون ليحدد سقف الملكية وينزع ما زاد عنه مع التعويض، ثم يوزع الأراضي على الفلاحين بهدف إنشاء طبقة من المزارعين المالكين وتحقيق الاستقرار الريفي.

غير أن الفلاح الذي استلم الأرض لم يصبح مالكاً مباشرة بالمعنى المدني الكامل، إذ أصبحت الأرض أولاً ملكاً للدولة، ومُنح الفلاح حق استثمارها والعمل فيها إلى أن تتحقق شروط التمليك النهائي. ولذلك منع القانون بيع الأرض أو رهنها أو التنازل عنها قبل صدور سند التمليك الرسمي وتسجيله في السجل العقاري.

مع مرور الزمن تغيّرت الظروف الاقتصادية، فترك بعض المنتفعين الزراعة أو انتقلوا إلى أعمال أخرى، وظهرت حاجة لشراء هذه الأراضي واستثمارها. وهكذا نشأت سوق غير رسمية اعتمدت على العقود العرفية والوكالات وتسليم اليد، وتداولها الناس فعلياً رغم بقاء الملكية الرسمية كما هي.

لم يظهر الخلاف لسنوات طويلة بسبب استقرار التعامل الاجتماعي، لكن عندما ظهرت المنازعات القضائية وارتفعت قيمة الأراضي عاد السؤال القانوني: هل يملك البائع الأرض أصلاً حتى يبيعها؟ ومن هنا خرج النقاش من المحاكم إلى المجتمع ثم إلى الجدل الديني، فظهرت آراء متباينة بُنيت أساساً على توصيف الحالة القانونية للمنتفع، أهو مالك أم صاحب حق انتفاع فقط.

ولفهم الصورة أكثر، فإن معظم الأراضي الزراعية في سوريا تاريخياً كانت من نوع الأراضي الأميرية، حيث تبقى رقبة الأرض للدولة ويملك الأفراد حق استثمارها، وهو ما يفسر تشدد القانون في منع البيع قبل التمليك النهائي.

إن الجدل القائم اليوم لا يعني أن القانون تغيّر، بل إن آثاره ظهرت متأخرة بعد أن سبق الواقع الاجتماعي النص القانوني لعقود طويلة، فتعامل الناس مع الأرض كملكية خاصة بينما اعتبرها القانون مرحلة انتقالية نحو الملكية.

ومع اتساع النقاش، يبقى السؤال الأهم مطروحاً: هل سيبقى قانون الإصلاح الزراعي على حاله كما هو منذ عقود، أم أن الواقع الذي تغيّر كثيراً سيقود في النهاية إلى تعديله مجدداً؟

عروة السوسي - زمان الوصل
(10)    هل أعجبتك المقالة (13)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي