في الوقت الذي تمر فيه سوريا بمرحلة انتقال سياسي حرجة بعد سقوط النظام، تبرز تساؤلات جوهرية حول شكل "الدولة الجديدة" وبنيتها السلطوية.
وفي مقال تحليلي لافت بعنوان "كل شيء إلا السياسة في سوريا"، وضع الباحث السياسي أحمد أبازيد الإصبع على الجرح السوري الراهن، محذراً من "هروب جماعي" نحو مناقشة القشور الخدمية وتجاهل المعضلة الأساسية: بنية النظام السياسي واحتكار القرار.
الهروب إلى "المساحات الآمنة"
يرى أبازيد أن الفضاء العام السوري، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، غارق في نقد قضايا "آمنة" وغير مؤثرة، مثل مواكب المسؤولين أو قرارات استيراد الدواجن، بينما يغيب النقاش الحقيقي حول "بنية النظام".
ويؤكد أن إصلاح المظاهر لن يغير من جوهر الأزمة ما لم يتم معالجة "الخلل في بنية الحكم" الذي بات يضيق صلاحيات الكفاءات ويحصرها في جوف صراعات داخلية بين أجنحة الفصيل المهيمن.
هيمنة "الهيئة" وتعطل الملفات السيادية
حدد أبازيد ملامح الأزمة في عدة نقاط هيكلية، معتبراً أن استمرار هيمنة "هيئة تحرير الشام" وتعطيل التمثيل الشعبي الحقيقي هو العائق الأكبر أمام استقرار الدولة، ومن أبرز تجليات هذا العجز:
- ملف العدالة المفقود: تعطل ملفات المفقودين والعدالة الانتقالية وأرشيف النظام نتيجة الصراع على ملكية هذه الملفات واستبعاد الخبراء والكوادر غير المنسجمة مع البنية السياسية القائمة.
- الشلل الدبلوماسي: غياب التمثيل الدبلوماسي الخارجي بسبب النظرة الإقصائية للدبلوماسيين المنشقين بوصفهم "خارج المنظومة"، ورفض الدول لتعيين شخصيات غير دبلوماسية.
- إعادة الإعمار: بقاء الملف معطلاً دون رؤية مستقبلية واضحة في ظل ضبابية المشهد السياسي.
استنساخ تجربة "إدلب" وتهميش الحواضن
يشير الباحث إلى أن تجربة "إدلب" توسعت لتشمل الدولة السورية الجديدة، حيث خُلقت مؤسسات (مثل الأمانة العامة للشؤون السياسية وهيئة المنافذ) لترضية أجنحة وشخصيات بناءً على أدوارها القديمة، وليس بناءً على تمثيل القوى الاجتماعية والسياسية الواسعة.
هذا الخلل أدى إلى "ضعف تمثيل اجتماعي" صارخ، حيث باتت بلدات معينة تمتلك نفوذاً يفوق محافظات كاملة، مما خلق حالة من التندر الشعبي والنقمة، وهو ما انعكس أيضاً على المؤسسة العسكرية والأمنية التي تشهد حساسية واضحة في توزيع الرتب والقيادة لصالح كوادر "الهيئة" على حساب الفصائل المدمجة الأخرى.
ملامح الاحتقان: من "الاستقرار" إلى "الاغتراب"
يحذر أبازيد من أن التبرير الأولي لهذه البنية الأحادية بضرورة "حفظ الاستقرار" بدأ يستنزف رصيد شرعية الحكم. فالتوجه نحو الخصخصة ورفع الدعم، بالتوازي مع فقدان التمثيل، أدى إلى تزايد الأفعال الاحتجاجية والإضرابات حتى داخل الحواضن الثورية في ريف حلب وإدلب ودير الزور.
ويرسم المقال ملامح "احتقان متراكم" وشعور متزايد بـ "غربة السلطة عن المجتمع"، وهو ما يراه أبازيد مؤشراً خطيراً قد يؤدي إلى انفجار أو صدام لا يرغب به أحد.
مخرج الطوارئ: العودة إلى السياسة
ينهي أبازيد قراءته بوضع خارطة طريق للحل، مؤكداً أنه لا يتبنى "المعارضة الصفرية" للحكم الجديد، بل يدعو إلى:
- إعادة الاعتبار للسلطة التشريعية المنتخبة والتمثيل الشعبي الحقيقي.
- فصل السلطات وتحديد الصلاحيات بوضوح دون "اختراع العجلة".
- فتح حوار صريح ومكاشفة حول شكل النظام السياسي والمستقبل.
إن المصارحة والمشاركة هي الجدران الوحيدة القادرة على صد أمواج الاحتقان، أما "التريندات" والقضايا الهامشية، فلن تعالج أزمة دولة تبحث عن هويتها السياسية وسط ركام الدمار.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية