أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

من فرق الحميدية إلى قسد: من جبال طوروس إلى وادي الخابور، الجغرافيا نفسها والضحية نفسها

من قرية "تل نصري"

لم يدخل تنظيم "داعش" قرى الخابور الآشورية في شباط 2015 من فراغ، ولم يكن اجتياحه السريع وليد قوة مفاجئة أو اختراق عسكري معقد، بل جاء بعد سلسلة خطوات محسوبة جردت الأهالي من أي قدرة على الدفاع عن أنفسهم، ووضعتهم في مواجهة مصيرهم عزلاً، مجتمعين ومنسيين.

في صباح اليوم نفسه، جُمع المدنيون الآشوريون من قرى الخابور في ساحة بلدة تل تمر (تل تمر، تل نصري، تل شاميرام، تل هرمز)، لا بوصفهم مقاتلين بل كأهالٍ خائفين أُمروا بالامتثال، وأُجبروا على تسليم أي سلاح فردي كان بحوزتهم، وهو سلاح لم يكن جزءاً من تشكيل عسكري ولا مشروع تمرد، بل اقتنته مجموعة محدودة من الشبان لحماية القرى وتأمين انسحاب النساء والأطفال إذا لزم الأمر وفق شهادات إلياس ناصر الموثقة في التحقيق الصحفي للمراسل داوود ناصر، 2015.

وجود هذا السلاح لم يكن مقبولاً؛ لأن أي قوة محلية مستقلة لم يكن مرغوباً بها أصلاً. قيل للأهالي إن الخطر قادم وإن وحدات الحماية ستتولى الدفاع عنهم، وطُلب منهم الانتظار بلا سلاح وبلا حركة، فيما كانت القوات التي وعدت بالحماية تنسحب تدريجياً وتبتعد دون اشتباك ودون تمركز دفاعي، تاركة الساحة مكشوفة، ولم تطلق رصاصة واحدة باتجاه التنظيم، لا في تل تمر ولا على مداخل القرى، رغم أن وحدات الحماية الكردية كانت مدججة بالسلاح وموجودة في المنطقة، وفي الوقت نفسه كانت قوات الجيش السوري المتمركزة في جبل عبد العزيز (مرجعية الجيش السوري – أرشيف وزارة الدفاع، 2015) ترى وتراقب دون أن تتحرك. بعد ساعات قليلة دخل داعش القرى، ووجد الأهالي مجتمعين بلا سلاح وبلا حماية وبلا مقاومة تذكر، سيقوا كقطيع غنم، فيما اكتفى الجميع بالمشاهدة. جنوب الرد، حيث القرى العربية المجاورة، شهد لاحقاً عمليات قتل وتهجير وتجريف بيوت وحرق، فيما بقيت القوات المتمركزة في جبل عبد العزيز على حالها، تراقب المشهد من الأعلى، ما يؤكد أن هناك تنسيقاً مسبقاً بين الأطراف.

لا يمكن فهم هذه السيطرة دون العودة إلى الجذور التاريخية، إلى جبال طوروس وهكاري وطور عبدين، حيث كان الرعيل الكردي المتنقل يعيش على الترحال والرعي، فيما كانت المجتمعات المسيحية الآشورية والأرمنية مستقرة في قرى وأديرة قديمة (وثائق قنصلية فرنسية وأرمنية، 1894–1915)، وهو التناقض بين الاستقرار الزراعي والتنقل المسلح الذي استغلته الدولة العثمانية عبر فرق الحميدية التي تأسست عام 1891 بأمر من السلطان عبد الحميد الثاني، لتكون قوة شبه نظامية من عشائر كردية مسلحة تعمل باسم الدولة، مهمتها الرسمية حماية الحدود وقمع التمرد، لكنها عملياً استُخدمت في استهداف الأرمن والآشوريين، ونفذت المجازر الحميدية بين 1894 و1896، وقتلت عشرات الآلاف، وصادرت الأراضي، ودمرت القرى (تقرير القنصل الألماني في وان، 1896)، وخلقت ثقافة الإفلات من العقاب التي امتدت لاحقاً لتكون نواة للعنف المحلي والارتزاق السياسي، وصولاً إلى إبادة 1915، ومن ثم تحول جزء من هذه البنية إلى تنظيم PKK في السبعينيات، حاملاً الإرث الجغرافي والنمطي نفسه في جبال قنديل وطوروس وهكاري، بينما المجتمعات المسيحية لا تزال ضحية متكررة لتلك القوة المسلحة، وإن تغير الاسم والخطاب.

بعد أسابيع من اجتياح داعش، اغتيل داود جندو، قائد قوات الدفاع في القرى الآشورية (شهادة إلياس ناصر، 2015)؛ لأنه رفض إخضاع قوة محلية مستقلة لأي أجندة حزبية، ونجا رفيقه ليكشف في شهادته عن الجهة الحقيقية التي استدرجتهم وأطلقت النار عليهم، ما أزال أي غموض عن المتورطين، وأثبت أن الاغتيال لم يكن عشوائياً، بل جريمة مخطط لها لإزالة أي مقاومة للسيطرة. اغتيال جندو لم يكن مجرد قتل رجل، بل قطع رأس بنية دفاعية ناشئة وإيصال رسالة لكل من يفكر بالاستقلالية: لا مكان لأي قوة آشورية مستقلة خارج الإطار الذي يُسمح به.

بعده، تحولت القرى إلى نقاط تماس، واستخدم سكانها كورقة سياسية، واستمر ضغط متراكم جعل أي محاولة للمساءلة مخاطرة حقيقية. ومع مرور الوقت، توسع نمط السيطرة إلى 35 قرية آشورية على طول نهر الخابور بين 2016 و2024 (تقرير إيكاد المصور، 2025)، حيث تحولت القرى عملياً إلى جيوب محاصرة، لا قرار للسكان في أي شأن داخلي، ولا حركة مسلحة مسموحة، بينما استخدم وجودهم كورقة سياسية جاهزة؛ فعند التفاوض يُستحضرون كأقليات بحاجة للحماية، وعند التصعيد يُتركون في مرمى النيران. المدارس المسيحية أُغلقت بالقوة وطُردت إداراتها وطلابها، الكنائس تحولت إلى مقار عسكرية ونقاط لوجستية، والتهديد النفسي والجسدي أصبح جزءاً من الواقع اليومي، فيما الخطاب الإعلامي يزعم حماية الأقليات، في حين الحقيقة على الأرض تقول إن السكان يُستخدمون دروعاً بشرية ويُجبرون على حمل السلاح ويُستباح دينهم وتعليمهم وممتلكاتهم.

في عام 2025–2026، جاء تقرير إيكاد المصور ليؤكد هذا الواقع بوضوح: 35 قرية آشورية تحولت إلى سجن مفتوح، السكان يُجبرون على حمل السلاح ضمن تعبئة ضد الحكومة السورية، وأي رفض يعرضهم للضغط والتضييق، وادعاءات الانسحاب إلى مناطق ذات غالبية كردية لا تعكس الواقع الميداني. المناشدات العلنية التي نقلتها صحيفة The Assyrian أكدت أن الأهالي المسيحيين يُفرض عليهم الانخراط ضمن التشكيلات المسلحة بالقوة، وأن أي خيار آخر مستحيل، وأن حياتهم اليومية أصبحت رهينة هذا الوضع، فيما شخصيات قيادية من المنظمة السريانية الديمقراطية، وعلى رأسهم غابرييل موشيه، شددوا على أن المسيحيين والسريان الآشوريين يؤيدون سيادة الدولة السورية ويرفضون استغلال مناطقهم لأهداف حزبية أو عسكرية، مؤكدين حق الأهالي في الأمن والبقاء ضمن قراهم بسلام.

ومن منظور تاريخي، فإن هذه السيطرة ليست جديدة أو طارئة، بل امتداد لمسار طويل بدأ منذ العثمانيين، حيث استُخدمت العشائر المسلحة في طوروس وهكاري ضد المجتمعات المسيحية المستقرة، وانتقلت أساليب النهب والضغط والإرهاب المحلي إلى مجازر 1915 ثم تهجير الآشوريين إلى الجزيرة السورية وإلى وادي الخابور، حيث أنشئت القرى رسمياً ضمن إطار سيادة سورية، ومُنحت ملكيات رسمية، وواجهت المجتمعات المتسلطة قوة مسلحة خارج إطار الدولة، فيما الاستقلالية المحلية والسيادة الفعلية لم تكن مسموحة على الدوام، حتى وصلت إلى أحداث 2015–2026، حيث تحولت شعارات الحماية إلى واجهة، والضغط النفسي والجسدي والاقتصادي أصبح وسيلة لتفريغ السكان من إرادتهم، مؤكدة أن الأرض، التي كانت سورية منذ البداية، لم تتغير، ولكن من يسيطر عليها ويتخذ القرار باسمها تغير عبر القرون؛ من فرق الحميدية العثمانية (وثائق قنصلية فرنسية وألمانية، 1891–1896) إلى تنظيم PKK وصولاً إلى قسد اليوم، تاركاً الآشوريين المسيحيين ضحايا مستمرين على هذه الأرض منذ قرن وأكثر، محاصرين بين إرث العنف التاريخي والواقع الحالي لأدوات السيطرة الأجنبية على سيادتهم وحقهم في البقاء ضمن قراهم. 

ريم الناصر - زمان الوصل
(7)    هل أعجبتك المقالة (9)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي