في تحول دراماتيكي لم يشهده قطاع الطاقة منذ عقد كامل، استكملت الحكومة السورية قبل حوالي الشهر سيطرتها على كامل الحقول النفطية والغازية في شمال شرق البلاد، منهية بذلك سنوات من السيطرة الكردية المدعومة أمريكياً على ثروة سوريا الأولى. هذا التطور الميداني، إلى جانب الشراكات الدولية الجديدة، يعيد تشكيل معادلة الطاقة في سوريا ويفتح الباب أمام إعادة هيكلة شاملة لسياسة التسعير المحلية. فما الذي تغير؟ وكيف يمكن بناء تسعيرة المشتقات النفطية في ضوء هذه المتغيرات الكبرى؟
أولاً: إنجاز استراتيجي – استعادة الحقول وبدء الإنتاج
مع دخول القوات الحكومية إلى مدينتي الرقة ودير الزور ومناطق الحسكة الشمالية، استلمت فرق الصيانة والفنيون حقول "رميلان" و"السويدية" و"العمر" و"كونيكو"، وهي أكبر الحقول في سوريا. التقديرات الأولية تشير إلى أن هذه الحقول كانت تنتج قبل 2011 نحو 250 ألف برميل يومياً من النفط الخام، وحوالي 14 مليون متر مكعب من الغاز، لكنها تدهورت بشدة بسبب الحرب والنهب المنهجي.
خلال الأسابيع الأولى من الاستلام، تمكنت الكوادر السورية بالتعاون مع شركات محلية ودولية من إعادة تشغيل 65% من الآبار المتوقفة، ليصل الإنتاج الحالي إلى ما بين 95 و110 آلاف برميل يومياً من النفط، ونحو 8 ملايين متر مكعب من الغاز. الأهم أن هذا الإنتاج آخذ في التصاعد يوماً بعد يوم مع العمل على دعم وصول معدات حفر جديدة.
ثانياً: توفير فاتورة استيراد – نهاية عصر النفط الإيراني
الرقم الأكثر أهمية في هذه المعادلة هو ما توفره هذه الإنتاجية لخزينة الدولة. وفق تقديرات وزارة النفط، كانت سوريا تستورد قبل التحرير ما بين 80 إلى 100 ألف برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات، بتكلفة شهرية تقترب من 250 مليون دولار (حوالي 3 مليارات دولار سنوياً). هذه الفاتورة كانت تستنزف وتثقل كاهل الاقتصاد المترنح أساسا وجزء من هذه الأثمان كان تموله إيران نفسها عبر قروض ميسرة للحكومة السورية وكانت تسمى خط ائتماني.
اليوم مع استعادة الحقول الشرقية، انخفضت فاتورة الاستيراد بنسبة تزيد عن 70%، وتشير التقديرات إلى أن سوريا قد تصل إلى الاكتفاء الذاتي الكامل من المشتقات النفطية الأساسية (بنزين، مازوت، فيول) خلال الربع الثالث من العام الجاري، مع إمكانية التحول إلى مصدر صافٍ للطاقة بحلول 2027.
هذا التحول يعني أن الدولة لم تعد مضطرة لدفع مليارات الدولار سنوياً لشراء النفط من الخارج، بل أصبح لديها فائض يمكن تسويقه، والأهم أن لديها موارد يمكن توظيفها في إعادة بناء قطاع الطاقة نفسه.
ثالثاً: شراكات دولية – من التبعية الإيرانية إلى التحالفات الجديدة
ما يعزز هذا التحول هو التوقيع على عقود استراتيجية مع شركات عالمية كبرى، أبرزها مذكرة التفاهم مع "شيفرون" الأمريكية و"باور إنترناشيونال" القطرية للتنقيب في أول حقل بحري سوري. كما تجري مفاوضات متقدمة مع "توتال إنرجي" الفرنسية و"إيني" الإيطالية و"كونوكو فيليبس" الأمريكية لتطوير حقول قائمة والتنقيب عن احتياطيات جديدة.
هذه الشراكات تنهي عملياً عصر الاعتماد على مورد وحيد (إيران)، وتفتح الباب أمام تدفق التكنولوجيا الحديثة والاستثمارات المباشرة، وهو ما سينعكس إيجاباً على كفاءة الإنتاج وجودة المشتقات.
رابعاً: نحو تسعيرة جديدة – بين الكلفة الحقيقية والقدرة الشرائية
مع هذه المتغيرات الكبرى على جانب العرض والإنتاج، تطرح الحكومة السورية نفسها أمام سؤال مصيري: كيف نبني سياسة تسعير للمشتقات النفطية في المرحلة المقبلة؟
المنطق الاقتصادي يقول إن استعادة الإنتاج المحلي يجب أن تنعكس إيجاباً على السعر النهائي للمستهلك، لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالكلفة الحقيقية للإنتاج المحلي (استخراج، تكرير، نقل) تظل مرتفعة بسبب البنية التحتية المدمرة والحاجة لاستثمارات ضخمة لإعادة التأهيل. إضافة إلى ذلك، فإن الحكومة الجديدة ملتزمة بمعايير المؤسسات المالية الدولية التي تشترط تصحيح الدعم تدريجياً.
في هذا السياق، يمكن بناء تسعيرة عادلة ومستدامة وفق الأسس التالية:
1. التسعير على أساس الكلفة المحلية: لأول مرة، يمكن أن يعكس سعر البنزين والمازوت الكلفة الفعلية للإنتاج السوري، وليس سعر السوق العالمي مضافاً إليه كلفة الاستيراد والشحن. هذا يعني أن السعر المحلي قد يكون أقل من السعر العالمي، لكنه يبقى أعلى بكثير من الأسعار الوهمية السابقة في ظل السياسات الاشتراكية التي كانت سائدة والتي كانت تقدم عبر بطاقات تكامل للأسر وللسيارات .
2. التدرج والوضوح: بدلاً من الصدمة السعرية المفاجئة، يمكن اعتماد آلية تسعير شهرية أو ربع سنوية شفافة، تُعلن فيها الحكومة عن الكلفة الفعلية، والهامش الربحي، والدعم المتبقي. هذا يبني ثقة المواطن ويسمح له بالتكيف التدريجي المترافق مع التحسن الاقتصادي المرتقب والذي لم نلمسه بعد .
3. توجيه الإيرادات للاستثمار: يجب أن يرتبط أي رفع في السعر بخطة واضحة لإنفاق الإيرادات على تطوير المصافي (حمص وبانياس) وشبكات التوزيع، بحيث يرى المواطن تحسناً ملموساً في جودة الخدمة وتوفر المشتقات مقابل السعر الأعلى.
4. دعم موازٍ ومحدد: الفئات الأكثر هشاشة (كبار السن، ذوو الدخل المحدود، الفلاحون) يمكن تعويضهم عبر دعم نقدي مباشر أو كوبونات وقود محددة الكمية، بدلاً من الدعم الشامل الذي كان يذهب جزء كبير منه إلى التهريب والسوق السوداء.
خامساً: فرصة تاريخية – إعادة بناء القطاع على أسس سليمة
ما تملكه سوريا اليوم هو فرصة نادرة: استعادة مواردها الطبيعية، مع شراكات دولية جديدة، وقدرة على بناء قطاع طاقة مستدام بعيداً عن التبعية السياسية. نجاح هذه المرحلة يتوقف على قدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين:
- تحقيق إيرادات تسمح بإعادة بناء القطاع.
- تقديم خدمة مقبولة وبسعر معقول للمواطن.
- محاربة الفساد والتهريب اللذين استفحلا لعقود.
المواطن السوري الذي عاش سنوات الانقطاع والطوابير والسوق السوداء، له الحق اليوم في أن يرى ثمار استعادة الثروة الوطنية. التسعيرة الجديدة، إذا بنيت بشفافية وتدرج وعدالة، يمكن أن تكون نقطة تحول نحو اقتصاد وطني قوي، بدلاً من أن تكون عبئاً جديداً على شعب منهك.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية