غيّب الموت أمس السبت في مدينة السلمية المعارض أمين حمودة المعروف بين محبيه بـ"أبي حسام" ووالد المعتقل المغيب "اسماعيل حمودة"، وشكل رحيله المفاجىء محطة مؤلمة أعادت إلى الواجهة حكاية سنوات طويلة من الصبر والمعاناة، تختصر في تفاصيلها مأساة عائلات كثيرة عاشت تجربة الاعتقال والإخفاء القسري في ظل النظام البائد.
كلمات النعي التي نشرها الصحفي "أكرم قصير" جاءت محمّلة بدلالات إنسانية عميقة، إذ وصف الراحل بـ"الفارس الحر" الذي قاوم المرض كما قاوم النوائب، وتمسك بالحياة رغم تراكم الخسارات: اغتراب الأبناء، اختطاف نجله إسماعيل وتغييبه خلف القضبان، رحيل زوجته، ثم صراعه الأخير مع المرض العضال.
لحظة التحوّل… اختفاء إسماعيل
وتشير الروايات إلى أن اختطاف إسماعيل شكّل المنعطف الأخطر في حياة الأسرة. فالاعتقال لم يكن مجرد إجراء قانوني معلن، بل تحوّل إلى حالة غياب قسري، حيث انقطعت الأخبار، وغاب أي تأكيد رسمي لمكان الاحتجاز أو ظروفه.
منذ تلك اللحظة، بدأت رحلة بحث شاقة قادها الأب والأم: مراجعات للجهات المعنية، سؤال للأصدقاء والمعارف، انتظار اتصال أو إشارة تطمئن القلب. ومع مرور الوقت، تحوّل الانتظار إلى عبء يومي ثقيل، تتكرر فيه الأسئلة ذاتها دون إجابات.
الإخفاء القسري… جرح لا يندمل
تُعد جريمة الإخفاء القسري من أخطر الانتهاكات التي تمس كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، إذ تقوم على حرمان الشخص من حريته مع إنكار وجوده أو إخفاء مصيره. وتكمن خطورتها في أنها لا تتوقف عند لحظة الاعتقال، بل تستمر ما دام مصير المغيب مجهولاً.
بالنسبة لأمين حمودة، لم يكن الألم لحظة عابرة، بل حالة مستمرة. كل مناسبة عائلية كانت تستحضر الغائب، وكل يوم يمر كان يضيف سؤالاً جديداً إلى قائمة الأسئلة المفتوحة: أين إسماعيل؟ وهل لا يزال على قيد الحياة؟
وهذا النوع من المعاناة يترك أثراً نفسياً عميقاً، ليس فقط على الوالدين، بل على العائلة بأكملها، حيث يعيش الجميع بين الأمل والخوف، دون يقين يحسم المصير.
شريكة الصبر… ورحيل مبكر
لم يكن أمين وحيداً في مواجهة المحنة. زوجته شاركته رحلة الانتظار، وقاومت بدورها ثقل الغياب. كانت، بحسب المقربين، مثالاً للصبر، تتحمل القلق اليومي وتواسي أبناءها، وتبقي شعلة الأمل مشتعلة في المنزل.
لكن المرض أنهكها قبل أن تتحقق أمنيتها بمعرفة مصير ابنها، فرحلت تاركة زوجها يواجه وحده ما تبقى من الطريق.
سنوات الوحدة… والمرض الأخير
بعد رحيل زوجته، ازدادت وطأة العزلة على أمين حمودة. فقد اجتمع عليه ثقل الفقد ومرارة الغياب. وفي تلك السنوات، داهمه المرض العضال، ليبدأ صراعاً جديداً، هذه المرة مع جسده.
ورغم ذلك، يروي مقربون أنه ظل متماسكاً، يقاوم المرض بإرادة صلبة، ويتمسك بحب الحياة. كان يؤمن بأن الحقيقة لا بد أن تظهر يوماً، وأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت.
إلا أن المرض أنهكه في نهاية المطاف، ليرحل "بمهابة وعز"، كما وصفه كاتب الرثاء، دون أن تتحقق أمنيته الكبرى.
ملف المغيبين… قضية مفتوحة
قصة إسماعيل، وإن بدت فردية، إلا أنها تعكس واقعاً أوسع عاشته عائلات كثيرة خلال تلك الحقبة. ملف المغيبين في سجون النظام البائد لا يزال يمثل أحد أكثر الملفات حساسية وألماً، حيث تتقاطع فيه الجوانب الإنسانية والقانونية والسياسية.
وتطالب عائلات المغيبين بكشف الحقيقة كاملة، بدءاً من تحديد أماكن الاحتجاز، مروراً بالكشف عن مصير المفقودين، وصولاً إلى المساءلة القانونية وجبر الضرر. فالعدالة الانتقالية لا تكتمل دون إقرار رسمي بالحقيقة، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
إرث يتجاوز الألم
وبرحيل أمين حمودة، تطوى صفحة من صفحات جيل حمل أوجاعه بصمت، وتمسك بالأمل رغم قسوة الظروف. لم يكن شخصية عامة تبحث عن الأضواء، بل أباً بسيطاً حمل قضية ابنه في قلبه حتى آخر لحظة.
تبقى سيرته شاهداً على زمن صعب، وعلى معاناة آباء وأمهات رحل بعضهم قبل أن يعرفوا مصير أبنائهم. وبينما تستمر المطالبات بكشف الحقيقة، تظل قصة أمين.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية