أحاول أن أكتب أقل دون دق المهابيج. ليس لأن الكلام نفد، بل لأن الاستفزاز استدعى دق المهابيج بعد أن صار الضجيج أعلى من المعنى. في كل مرة أفتح فيها هاتفي أجد سيلاً من المواقف الحادة والاصطفافات الجاهزة، واليقينيات المتصلبة التي لا تقبل النقاش، وكأن السياسة باتت تتحول إلى مباراة صراخ، لا إلى محاولة فهم الواقع.
ومع ذلك، هناك أشياء لا يمكن تجاهلها.
فسوريا اليوم لم تعد في لحظة عادية. كما أنها ليست في حالة حرب كما كانت، لكنها أيضاً لم تدخل إلى الآن في حالة دولة مستقرة. ما زلنا في منطقة رمادية، وهذا أخطر مكان يمكن أن تعيش فيه دولة منهكة.
الإعلان الدستوري الذي صدر في مارس 2025 قُدِّم بوصفه إطاراً انتقالياً. انتقال إلى ماذا؟ هذا السؤال لا يزال معلقاً في الهواء. النص يمنح صلاحيات واسعة للرئاسة، ويؤسس لمرحلة تمتد سنوات. في ظروف مضطربة قد يبدو تركيز السلطة خياراً عملياً، والقرار يصبح أسرع، والمشهد يبدو منسجماً. لكن الانسجام الذي يأتي من غياب التوازن يشبه الهدوء الذي يسبق عاصفة صغيرة داخل البيت نفسه.
المشكلة ليست في شخص الحاكم، إنما في شكل السلطة. حين تتكدس الصلاحيات في مركز واحد، تصبح النوايا الحسنة عبئاً بدل أن تكون ضمانة؛ لأن الدول لا تُبنى على حسن النية، بل على قواعد تمنع إساءة استخدامها.
أتفهم من يقول إن البلد يحتاج قبضة تنظيمية في البداية. لا أحد ينكر حجم الفوضى والانفلات الأمني والدمار الذي ورثناه. دمج الفصائل، مثلاً، يعد خطوة معقدة، ونجاح القيادة في احتواء قوى مسلحة متنافرة ليس حدثاً بسيطاً، بل نجاح نصفه إيجابي ونصفه مؤجل الخطر. إن لم يتحول الدمج إلى بناء جيش مهني بعقيدة وطنية واضحة، سيبقى تثبيت مواقع لا أكثر. كما أن ترتيب الوجوه داخل المنظومة لا يكفي إن لم تتغير طبيعة وسلوكيات المنظومة نفسها.
وهذا أيضاً ينطبق على العدالة الانتقالية. فالعدالة ليست شعاراً مستورداً، وليست ترفاً نظرياً؛ هي محاولة عقلانية لتفكيك دورة العنف، لتقول للضحايا إن الدولة تعترف بآلامهم، لا تطلب منهم نسيانها. لكن العدالة الانتقالية إن طُبِّقت بانتقائية، ستتحول إلى أداة سياسية وانتقامية بعيدة عن القانون لا أداة ترميم وطني. لا يمكن إقناع السوريين بعد اليوم بعدالة تُحاسب جهة وتتغاضى عن أخرى؛ لأن الذاكرة في هذا البلد ليست قصيرة، وهي ليست قابلة للمحو بمرسوم.
وهنا أصل إلى مسألة مرسوم العفو الأخير، الذي أثار جدلاً واسعاً بين مؤيد يرى فيه خطوة تهدئة ضرورية، ومعارض يعتبره انزلاقاً خطيراً. وأنا لست هنا بصدد ترجيح كفة على أخرى؛ فالمرسوم صدر، وأصبح جزءاً من الواقع القانوني. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل كان يجب أن يصدر؟ بل: كيف سيُنفَّذ؟ وعلى من سيُطبَّق؟
في بلد عايش حرباً ودماراً وتهجيراً وإبادات جماعية بهذا الاتساع، جرائمها لم تكن حوادث يمكن نسيانها. كانت ظاهرة عامة، امتدت إلى كل محافظة تقريباً، وتركت في كل بيت جرحاً. نحن نتحدث عن سنوات من القتل المنهجي، الاعتقال، الاختفاء، التهجير، والانتهاكات التي لم تُبقِ عائلة تقريباً إلا وطالتها بطريقة أو بأخرى. أحياناً أشعر أن أي وصف يبدو قاصراً؛ كلمة "مأساة" ضعيفة، "كارثة" لا تكفي، كأن هناك شيئاً أقرب إلى مذبحة ممتدة زمنياً.
في هذا السياق، يصبح العفو مسألة شديدة الحساسية. هناك جرائم بطبيعتها لا تدخل في دائرة التسويات السياسية العادية؛ فجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ليست مجرد مخالفات جنائية يمكن طيّها بورقة رسمية. فالقانون الدولي، وأبسط مفاهيم العدالة، يضعان قيوداً واضحة على إمكانية العفو عن أخطر الجرائم. ليس لأن الانتقام مطلوب، بل لأن الإفلات الكامل من المساءلة يُعيد إنتاج الظلم ويؤسس لعدم الاستقرار.
ثم هناك البعد الإنساني. يقال أحياناً إن عدم وجود ادعاء شخصي يتيح إطلاق سراح بعض المتهمين. لكن في حالات القتل الجماعي، من يتقدم بالشكوى حين تكون الأسرة بأكملها قد أُبيدت؟ من يمثل عشرات العائلات التي دُفنت تحت الأنقاض؟ من يرفع دعوى باسم من غرقوا في البحر هرباً من الجحيم ولم يبقَ لهم شاهد؟
العدالة لا يمكن أن تُختزل في شكوى فردية حين يكون الانتهاك جماعياً.
والعفو في الجرائم البسيطة قد يكون أداة إصلاح اجتماعي، أما في الجرائم الجسيمة، فهو اختبار أخلاقي للدولة نفسها؛ لأن أثر هذه الجرائم لا يُمحى بنص قانوني. كما أنه لا يوجد مرسوم قادر على إعادة أم إلى طفلها، أو شاب إلى عائلته بعد سنوات في المعتقل، ولا يوجد نص يمحو أثر الخوف الذي عاشه جيل كامل.
المقلق هنا ليس إصدار عفو بحد ذاته، بل احتمال أن يُفهم على أنه تقليل من قيمة دماء الضحايا. وهذا خطر سياسي قبل أن يكون قانونياً؛ لأن الشعور بالظلم حين يُتجاهل يتراكم في الداخل ويترك أثراً انتقامياً.
سوريا لا تحتاج إلى عدالة انتقامية، لكنها تحتاج إلى عدالة جديّة؛ يكون المسار القانوني فيها واضحاً يميز بين من تورط في جرائم جسيمة ومن كان جزءاً من منظومة دون أن يلطخ يده بالدم. تحتاج إلى قضاء مستقل يحقق، لا إلى تسويات واسعة تخلط الجميع في سلة واحدة.
المقلق ليس فقط ضعف الدعم الدولي، بل أن يتحول الانتقال إلى إدارة فوقية، حيث تُصدر المراسيم بوتيرة متسارعة، كأن السياسة مجرد توقيع على ورق. وهذه الصورة مألوفة في منطقتنا: الحاكم الذي يتحرك بسرعة، يقرر، يعلن، يوجه؛ هي صورة حاكم اعتدنا عليها، لكنها صورة لا تصنع ثقافة سياسية مدنية، بل تصنع تبعية.
السياسة يا سادة ليست فوضى، وليست استعراض قدرة؛ هي فن إدارة الاختلاف. إن لم تُمارَس بهذا المعنى، ستُختزل إلى إعلام وخطاب تعبوي. وحين تختزل السياسة، يختنق المجال العام وتُدق المهابيج.
أحياناً أسأل نفسي: ما الذي يحتاجه السوري اليوم فعلاً؟ ليس خطاباً بطول ساعة؛ يحتاج أشياء ملموسة، عدالة تُطبَّق بلا انتقائية، ومؤسسات تُبنى بلا شخصنة، وتشريعاً يُحترم لأنه وُلد من نقاش، لا لأنه فُرض من أعلى أو لمصالح سياسية ومستقبلية.
نحن لسنا بحاجة إلى بطل جديد؛ نحن بحاجة إلى دولة عادلة. دولة لا تستهين بمشاعر الضحايا، ولا تختصر العدالة في توقيع، ولا تعتبر الصمت قبولاً.
تصحيح المسار لا يعني مواجهة مع السلطة، بل هي نصيحة صادقة لها؛ لأن تجاهل هذا الملف تحديداً قد يترك جرحاً مفتوحاً يصعب إغلاقه لاحقاً.
الدولة التي تريد أن تبدأ من جديد، لا يمكنها أن تتعامل بخفة مع أثقل ما في تاريخها القريب.
وإن كان هناك درس واحد من كل التجارب التي سبقتنا، فهو أن العدالة المؤجلة قد تُفهم أحياناً… لكن العدالة المتجاهَلة لا تُنسى.
أحمد محمود الأحمد - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية