أنا مريم، امرأة سورية أبلغ من العمر الآن ثلاثين عاماً، أم لطفلين، وأحمل في قلبي ذاكرة لا تهدأ منذ كنت في السابعة عشرة من عمري.
في أحد أيام عام 2013، اقتُحِم منزلنا في حي دف الشوك – منطقة التضامن – بدمشق؛ وتم اقتيادي منه بتهمة "التعامل مع مسلحي الغوطة الشرقية"، فقط لأن والدتي من مدينة سقبا، المدينة المعروفة بموقفها المعارض للنظام.
كنت حينها طالبة بكالوريا، بالكاد أميز بين السياسة والعسكر. اقتادوني من حضن أمي التي لحقت بي باكية تتوسلهم أن يأخذوها بدلاً مني. أذكر كيف ركلها أحد الجنود بقدمه، وألقاها أرضاً. منذ تلك اللحظة بدأت رحلتي مع العذاب.
نُقلت إلى مفرزة تابعة لميليشيات "الدفاع الوطني" في التضامن، وهناك التقيت بـ"أبو منتجب"، أحد قادة الميليشيا وأحد أبناء الحي. بدأ باستجوابي بأسئلة متفرقة، ثم أمر بتحويلي إلى "فرع الدوريات" دون توجيه تهمة واضحة. في المعتقل تعرّضت لتعذيب جسدي ونفسي ممنهج. أنكرُ كل التهم التي وُجّهت إلي، لكن ذلك لم يشفع لي، فأُجبرت على توقيع أوراق لم أعرف محتواها.
عندما نُقلت إلى فرع فلسطين، اتّضح أن التهمة الموجّهة إليّ كانت "تسريب معلومات عن موقع عسكري" أسفرت عن مقتل عنصر يُدعى رضا. لم أسمع باسمه من قبل. بقيت هناك سبعة أشهر كانت كالجحيم. كنت أسمع صرخات المعتقلين ليلاً ونهاراً. أخبرني المحقق، ليزيد من عذابي، أن أبي وأمي قُتلا، وأن أخي موقوف أيضاً. لم أعد أميز بين الحقيقة والكوابيس.
في ممرات فرع فلسطين رأيت الجثث تُسحب أمامي. أُجبرنا نحن النساء على الدوس عليها في طريقنا إلى الحمامات. ذات مرة قال لي أحد العناصر: "هذا أخوكي، فطس، ادعسي عليه وامشي!"، وكأن الهدف لم يكن التحقيق بقدر ما كان تدميرنا تماماً.
بعد سبعة أشهر من هذا الجحيم، نُقلت إلى الشرطة العسكرية لأسبوع، ثم إلى سجن صغير في ركن الدين، يشبه المخفر. بعدها، وفي يوم 25 نيسان/أبريل 2014، أُفرِج عني من النيابة العامة التي تبيّن لها أن التهمة كيدية، ولا أدلة ضدي.
لكن المأساة لم تكن فقط في الاعتقال والتعذيب، بل في معرفتي لاحقاً أن الجميع، من "أبو منتجب" إلى المحققين، كانوا يعلمون أن من قدّم البلاغ شخصٌ معروف بابتزاز الناس، عميلٌ لهم، يتقاضى المال مقابل الوشاية. كانوا يعرفون أنني بريئة، ومع ذلك، عامَلوني كمجرمة حرب، وكأنني من أشعلت الحرب في بلادي.
كنت مجرد فتاة تبكي، تحلم بالنجاح في البكالوريا، وانتهى بي المطاف في دهاليز الرعب السوري. وهذه شهادتي، في زمن ما زال فيه القتلة طلقاء.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية