أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الرقة من سلة قمح إلى مدينة مثقلة بالديون: حين يتحول الموسم من وعد بالرخاء إلى إنذار بالانهيار

في الرقة لم تعد الزراعة مهنة موسمية ترتبط بدورة مطر وحراثة وحصاد، بل أصبحت اختباراً قاسياً لقدرة مدينة كاملة على الصمود. هذه المدينة التي كان اسمها يقترن بسلة خيرات سوريا، والتي شكل قمحها وقطنها ركيزة الأمن الغذائي وحركة الأسواق، تجد نفسها اليوم أمام مشهد مقلق: فلاح يزرع وهو يعلم أن الخسارة أقرب من الربح، وسوق مستلزمات منفلتة، وصمت رسمي يترك فراغاً تتضخم فيه سلطة التاجر.

لطالما كان القمح والقطن عماد اقتصاد الرقة وريفها، ومحركا أساسياً للدخل المحلي والاستقرار الاجتماعي. لكن التحول الذي أصاب القطاع خلال السنوات الأخيرة لم يكن تدريجياً فحسب، بل عميقاً ومؤلماً، إذ انتقل من منظومة إنتاج شبه مستقرة إلى سوق مفتوحة تتحكم بها الأسعار المتقلبة والديون المتراكمة.

أول المؤشرات الصادمة هو انهيار القوة الشرائية للمحصول. قبل 2011 كانت المعادلة واضحة: طن القمح يعادل قيمة طنين من السماد وأكثر، ويغطي خمسة إلى ستة براميل مازوت، فيما كان طن القطن يعادل قرابة أربعة أطنان سماد. الإنتاجية كانت تتراوح بين 450 و650 كغ قمح للدونم، و400 إلى 700 كغ قطن. كانت هناك خطة زراعية، وتسليم بذار وسماد، وشراء مضمون للمحصول مع خصم التكاليف من الفاتورة النهائية. المزارع كان يعرف حسابه قبل أن يزرع.

اليوم انقلب الميزان بالكامل. كل طنين من القمح بالكاد يعادلان ثمن طن سماد واحد، وطن القطن لا يشتري طناً كاملاً من السماد، وطن القمح لا يغطي سوى نحو ثلاثة براميل مازوت. إنتاجية الدونم تراجعت إلى 250–400 كغ في القمح، و200–300 كغ في القطن في أفضل الأحوال. سماد اليوريا الذي كان بين 470 و500 دولار في عام 2024 ارتفع بأكثر من 140 دولاراً إضافية، بينما ارتفع سعر القمح من 310 دولارات في 2024 إلى 420 دولاراً في 2025، لكن هذه الزيادة الاسمية ابتلعتها كلفة الموسم المتضخمة. ليتر المازوت قفز من 5000 ليرة إلى 9000 ليرة (نحو 75 سنتاً)، ما جعل الري عبئاً ثقيلاً على كل دونم.

تكلفة دونم القمح نقداً تشمل نحو 13 دولار حراثة (17 بالدَّين)، و20–25 دولار بذار، و11 دولار فوسفات، و12 دولار يوريا أساسية، و30 دولار يوريا مع الري، و12 دولار حصاد، دون احتساب المحروقات والمكافحة والأعطال. وإذا كانت المعاملة بالدَّين، يضيف التاجر هامشاً قد يصل إلى 50% فوق السعر النقدي. النتيجة أن الفلاح يبدأ الموسم مكبّلاً قبل أن تنبت أول سنبلة.

خلال السنوات الماضية، ولا سيما في ظل إدارة قوات سوريا الديمقراطية، بدأت المساحات المزروعة تتقلص نتيجة الخسائر المتكررة وتركيز تجارة المحاصيل ومستلزمات الزراعة بيد عدد محدود من الوسطاء. ومع كل موسم خاسر كان بعض المزارعين يبيعون دونماً أو أكثر لتسديد الديون. هكذا تحولت الأرض من مصدر أمان واستقرار إلى وسيلة إسعاف مالي. ومع تكرار الخسارة، لم يعد بيع الأرض استثناءً بل نمطاً يتكرر، فتآكلت الملكيات الصغيرة وخرج مزارعون صغار من دائرة الإنتاج.

انعكاسات هذا التدهور لم تتوقف عند حدود الحقل. اقتصاد الرقة بأكمله مرتبط بالموسم: الأسواق تنتعش بدخل الفلاح، العمالة الموسمية تعتمد على الحصاد، وحركة النقل والتجارة تدور حول الإنتاج الزراعي. عندما يخسر المزارع، تخسر المدينة. وعندما تتقلص المساحات، يتراجع دور الرقة في المعادلة الغذائية السورية، ما ينعكس على الأمن الغذائي الوطني ككل.

المفارقة أن هذا العام شهد توسعاً في المساحات المزروعة رغم كل هذه الوقائع. كثير من المزارعين راهنوا على مرحلة سياسية جديدة، وعلى أن الحكومة السورية الحالية ستعلن تسعيرة عادلة وتضع ضوابط حقيقية للسوق وتكسر الاحتكار. الناس زرعت بدافع الأمل، لا بدافع المعطيات الاقتصادية. لكن حتى اللحظة، لا خطة زراعية معلنة، ولا آلية دعم واضحة، ولا تصريح صريح من وزير الزراعة يطمئن آلاف الفلاحين الذين دخلوا الموسم بالدين.

السوق اليوم حرة بالكامل، لكن المزارع ليس حراً. تجار مستلزمات الزراعة يرفعون الأسعار يوماً بعد يوم بلا رقابة فعلية، والفلاح يتحمل كامل المخاطرة. الصمت الرسمي في ملف بحجم الزراعة ليس تفصيلاً إدارياً، بل فراغاً تتسع فيه الفجوة بين الكلفة والسعر، وبين الجهد والعائد.

إن ما يحدث في الرقة ليس مجرد أزمة أسعار، بل تآكل تدريجي لقطاع يشكل ركناً أساسياً في الاقتصاد السوري. استمرار هذا المسار يعني مزيداً من تقليص المساحات، ومزيداً من بيع الأراضي لتغطية الخسائر، ومزيداً من خروج صغار المنتجين من السوق. لذلك فإن المسؤولية اليوم وطنية بامتياز. المطلوب تسعيرة مبكرة ومنصفة، وضبط فعلي لأسعار مستلزمات الزراعة، وكسر احتكار السوق، وإعادة الاعتبار لخطة زراعية واضحة تعيد التوازن بين الكلفة والعائد.

المزارع لا يطلب امتيازاً خاصاً، بل عدالة اقتصادية تحمي من يزرعون قوت البلاد. والموسم لا ينتظر التصريحات. إنقاذ الزراعة في الرقة اليوم ليس دعماً لمحافظة، بل حماية لركيزة من ركائز الاقتصاد السوري كله. 

ريم الناصر - زمان الوصل
(6)    هل أعجبتك المقالة (3)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي