مع مطلع عام 2025، لم يتوقف مسلسل السيطرة على القرى الآشورية عند مجرد حصار أو مصادرة السلاح، بل انتقل إلى مرحلة أكثر وضوحاً في انتهاك الحقوق الأساسية: إجبار السكان على حمل السلاح ضمن تشكيلات تحت سيطرة وحدات حماية الشعب، وتحويل القرى إلى جيوب محاصرة تفرض فيها المليشيا قواعدها الخاصة، فيما تبقى الشعارات عن «حماية الأقليات» مجرد واجهة إعلامية.
في 30 أيلول 2025، وثقت المصادر المحلية والإعلامية إغلاق المدارس المسيحية وطرد إداراتها وطلابها بالقوة، وتحول الكنائس إلى مقار عسكرية ومراكز لوجستية، وهو ما كرس فكرة أن كل مؤسسات المجتمع المدني والخدماتي تحت رحمة القوة المسيطرة، وليس لصالح الأهالي. في 19 كانون الثاني 2026، تم تحويل كنيسة الطبقة إلى مقر عسكري ومنصة لتفخيخ المسيرات، وهو مؤشر صارخ على أن الدين والتاريخ لا يحرمان المليشيا من استثمار المكان لمصلحة أهدافها العسكرية والسياسية.
ثم جاء 23 كانون الثاني 2026 ليكشف تقرير إيكاد المصور، الذي غطى مناطق ريف الحسكة، عن أن 35 قرية آشورية تحولت عمليا إلى سجن مفتوح تحت سيطرة المليشيا، رغم ادعاء قسد انسحابها إلى مناطق ذات غالبية كردية، وأن السكان يجبرون على حمل السلاح ضمن تعبئة ضد الحكومة السورية، في وضع يكرر نمطاً مر به الآشوريون منذ 2015. الصحافة الآشورية، وعلى رأسها صحيفة The Assyrian، نقلت مناشدات الأهالي المسيحيين، مؤكدين أنهم يفرض عليهم الانخراط ضمن التشكيلات المسلحة بالقوة، وأنه لا وجود لأي خيار آخر يضمن لهم البقاء في قراهم بسلام.
هذا الواقع تصادمه تصريحات رسمية من قيادات المجتمع الآشوري، أبرزها غابرييل موشيه، أحد كبار ممثلي المنظمة السريانية الديمقراطية، الذي أكد أن المسيحيين، وخصوصاً السريان الآشوريين، يؤيدون منطق الدولة وسيادة الدولة ويرفضون تحويل مناطقهم إلى ساحات صراع، مشدداً على إعادة الاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة. هذه التصريحات تفضح التناقض الصارخ بين الخطاب الإعلامي لقسد الذي يقدم نفسه حامياً للأقليات، وبين ما يعيشه السكان على الأرض، حيث تجبر العائلات على الانخراط في صراعات ليس لها علاقة بهم، ويفرض عليهم القمع النفسي والجسدي على حد سواء، وتستباح ممتلكاتهم وأماكن عبادتهم.
منذ 2015، تتوالى الانتهاكات وتتكاثر، لكنها في 2025–2026 أخذت شكلاً منظماً، واضحاً، قابلاً للتوثيق الميداني: إجبار على حمل السلاح، تحويل الكنائس إلى مقار عسكرية، حصار القرى وتحويلها إلى جيوب مغلقة، وفرض وصاية قسرية على السكان باسم الحماية. هذا النمط لم يأتِ فجأة، بل هو استمرار منطقي لما بدأ منذ نزع السلاح في تل تمر، واغتيال داود جندو، وتحويل الخابور إلى نقاط تماس، وهو ما يضع السكان المسيحيين الآشوريين في مرمى استغلال دائم، سياسي وعسكري وإعلامي، منذ أكثر من عقد، مع ضياع الحق في حماية أنفسهم وحقهم في الحياة الطبيعية داخل قراهم.
هذا التقرير، الموثق بالصور والشهادات الميدانية، يثبت أن الشعارات عن الديمقراطية وحماية الأقليات لا تعكس الواقع، وأن القرى الآشورية لا تزال رهينة، والضحية الحقيقية هي المجتمع نفسه الذي يعيش كل يوم في خوف وترقب، ويستنزف من دون أي جهة تلتزم بحمايته أو بوجود حد أدنى من الأمان.
ريم الناصر - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية